ويَهَبُ مَزْجُ المصالح الفردية بالمصالح العامة قوةً عظيمة للأمم كما قلتُ ذلك غيرَ
مرة، وقد يَحْدُث مثلُ ذلك المَزْج لدى قوم من البرابرة بفعل أحقادهم المشتركة العنيفة،
ولكن لمدةٍ قصيرة، ومن ذلك أن كتائبَ من البلغار كانت تَنْقَضُّ بالحِرَاب على مدافع
الترك القاذفة للقنابل فلا تبالي تلك الكتائبُ بهلاك نصفها؛ لِما كان يَغْلِي في صدورها
من غِلٍّ نشأ عن اضطهاد عِدَّةِ قرون، فعاد الجنديُّ في تلك الكتائب لا يكون من طِراز
الجنديِّ الروسيِّ الذي كان يدافع في مَنْشُورِيَة عن ضروراتٍ سياسية تِجاه عدوٍّ مجهول
لديه فلا يَمْقُته، بل من الذين تأصَّلَت فيهم اللعنة فعزموا على الانتقام لأنفسهم بسبب
ما صُبَّ عليهم من الشتائم.
وفي أيامنا يتألف من الوطنية، أي من المشاعر والمصالح التي تشتمل عليها تلك
الكلمة، قوةٌ خُلُقيَّة عظيمة في الأمة التي تساورها، والوطنيةُ في إنكلترة وألمانية وأمريكة
عاملُ قدرةٍ أنفعُ من المدافع، ولَسُرْعان ما يَأْفِل نجم الأمة التي تزول فيها عبادة الوطن.