فهرس الكتاب

الصفحة 100 من 132

وعلى أيِّ شيء تقوم هذه «الفلسفة الحقيقية» ؟ فاسمع قولَ ذلك العَلَّامة وذلك

الأكادِيميِّ الذي اكتشفها: «إن هذه الفلسفة ليست مِنهاجَ توازنٍ، بل هي تاريخٌ نظريٌّ

أوسِرِّيٌّ للإنسانية، ففي هذا التاريخ يُمَيِّز رُوسُّو بين ثلاثة أوجهٍ أساسية يمكن أن تُعَيَّن

رَمْزِيٍّا بالكلمات: الطُّهر، والخطيئة، والخلاص.»

فهذا المذهب إذ كان مذهبَ النصارى منذ ألفي سنة كان من الصعب أن يُوصَف

بالفلسفة الحديثة، على أننا نَعْلَم درجةَ تكذيب اكتشافاتِ علم وَصْفِ الإنسان الحديث

لآثار رُوسُّو العاطفية حَوْلَ حال الطبيعة.

وكيف نوافق، مع ذلك، على قول مسيو بُوتْرُو: «إن التأثير العجيب الذي اتفق لآثار

رُوسُّو يُثْبِت بما فيه الكفاية قيمةَ مذاهبه»؟ فإذا كان النجاحُ مقياسَ قيمة المذهب كان

النجاح الواسع الذي تَمَّ للقرآن دليلًا على قيمة ما يحتويه، على أنني أشكُّ كثيرًا في ارتضاء

كثير من العلماء لتاريخ رُوسُّو في الإنسانية وَفْقَ تلخيص مسيو بُوتْرُو الآتي:

يُرَدُّ ذلك التاريخ إلى ثلاثة أدوار:

(1) حال الطبيعة أو نظام الغريزة.

(2) الحال الاجتماعية أو حال الفساد التي يُعَبَّر عنها باستعباد العاطفة

للعقل.

(3) الحال السياسية والخُلقية أو التجديد، أي إعادة النظام الطبيعيِّ إلى

الأحوال الثابتة الناجعة التي تَعْقُب السقوط، والسقوطُ هو في اتِّبَاع العقل

للعاطفة التي لا تَعُود غريزةً، بل تصبح ما يُسَمَّى بالقلب.

وبَعْدَ رُوسُّو داوم كُتَّاب قليلون على امتداح أفضلية الوِجدان على العقل، ومن ذلك

أن شُوپنْهاوِر، المدافعَ الأكبر عن الوِجدان، يَحْكُم بأن الحقائق العاطفية أدنى إلى الحقيقة

من الحقائق العقلية.

واصطراعُ العقل والعاطفة إذ كان أزلِيٍّا وجب ألا يَعْتَرِينَا العَجَبُ إذا ما رأينا بين

حينٍ وحينٍ مناهضةَ الفلسفة العاطفية للفلسفة العقلية.

ومن أَبْرَز وجوه ذلك الاصطراع هو ما نشاهده في الوقت الحاضر فنَدْرُس أمرَه الآن.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت