فهرس الكتاب

الصفحة 17 من 132

حتى إن الكتب العلمية القديمة نفسَها مَحْشُوَّةٌ بالأقاصيص العقيمة التي هي ثَمَرَة

الخيال المَحْض، فتَجِدُ في كتب التاريخ الطبيعيِّ التي ألُِّفَت في عهد لويس الرابعَ عشرَ،

مثلًا، أنه يكفيك لتنال دودَ قَزٍّ أن تُغَذِّيَ بقرةً بورق التوت، وأن تقطع عِجْلَها إرْبًا إرْبًا،

وأن تَدَع هذه القِطَعَ تَعْفَن حتى يَخْرُجَ منها دُودُ قَزٍّ كثيرٌ، ومما تراه في تلك الكتب أن

بُرادَة قَرْنِ الأيِّل تُسَهِّل الوَضْعَ.

وبجانب تلك العناصر النفسية يُمَثِّل عامل الاحتياج إلى التفسير شأنًا مهمٍّا في تكوين

الآلهة.

وإذا عَدَوْتَ الأزمنة الحديثة لم تَجِد حوادثَ طبيعية، فكلُّ حادثة كانت تُعْزَى إلى

عزائم الآلهة.

فأجدادُنا إذ كانوا يَعْرِفون المبدأ القائل بأن لا معلولَ بلا عِلَّة، وكانوا يجهلون

تسلسل السُّنَن الطبيعية لم يُعَتِّموا أن افترضوا وجودَ موجوداتٍ خارقة للعادة خَفِيَّةٍ

قادرة خلفَ الحوادث مسببةٍ لها.

وكان تَدَخُّل تلك الموجودات يَكفي للردِّ على ما يُمْلِيه حبُّ الاطلاع في الإنسان من

الأسئلة الكثيرة التي كان العلمُ غيرَ قادر على الجواب عنها، فحَدَث ما كان من تأليه

جميع قُوَى الطبيعة، فكانت الآلهة تُسَيِّر الشمسَ وتُنْضِج الثمرَ وتُرْسِل الصواعق، وما

كانت تفسيراتٌ كهذه إلَّا ذات نَفْع عميم في الأزمنة التي لم يَسْطِع البشر أن يَتَمَثَّل غيرَها.

ومن بين العوامل النفسية في تكوين الأديان نذكر حبَّ البعث في عالَم آخر.

وتتجلَّى الرغبة في الخلود في أقدم الديانات حيث يُرَى بقاء طَيْف الموتى بعدهم،

بَيْدَ أن الحياة بعد الممات لم تظهر أمرًا مرغوبًا فيه على الدوام، فقد قَصَّ أوميرسُ في

الأودِيسة أن أوُلِيسَ نَزَل إلى جهنم ليشاور تِيرِيزْيَاس فلاقى أشيلَ، وحاول أن يُعَزِّيَه

بموته، فأجابه طيف هذا المجاهد بقوله»: تعزيتُك باطلة، فأفُضِّل أن أظلَّ على الأرض

عَبْدًا لأفقر فَلَّاح على أن أكون حاكمًا لقوم من الأشباح «.

والنصرانيةُ هي التي وَكَّدَت أمر الحياة الآخرة أكثر من غيرها، فكانت الجنة والنار

عاملَيْن عظيمين في نجاحها.

وتُعَدُّ تلك المبادئ خياليةً في أيامنا، ولكن الرغبة في الحياة بعد الممات تظلُّ قويةً في

قلب الإنسان، وفي هذه الرغبة سِرُّ قوة المذهب الروحيِّ الذي يُعَلِّل أَتباعَه بأملٍ في حياة

ثانيةٍ.

ومن دواعي الأسف أن العلم لم يكتشف، بعد، ما يُسَوِّغ القول بالحياة الآخرة، ولا

يُرَى - مع ذلك - أيُّ العناصر من طبيعتنا ما يُرْجَى له الخلود أي القَرَار.

قال مِتِرْلِنْك»: من أيِّ شيء يُؤَلَّف ذلك الشعور بالذات الذي يجعل من كلِّ واحد منا

مركزَ العالَم، أي النقطةَ الوحيدة التي يُؤْبَه لها في المكان والزمان؟ ليست هذه الذات، كما

تبدو لنا عند التفكير في تعاقب اضمحلالها، رُوحَنا ولا جسمَنا ما دامت الروح والجسم

أمواجًا تجري وتتجدد بلا انقطاع، وهل الذاتُ أمرٌ ثابتٌ غير الصورة والجوهر المُتَحَوِّلَيْن

على الدوام، أو غيرُ الحياة التي هي عِلَّة الصورة والجوهر أو معلولُهما؟ حَقٍّا إنه يتعذر

علينا إدراك الذات أو تعريفُها أو بيان مَقَرِّها، ونحن، إذا ما أردنا اسْتِبَار غَوْرها، لم

نَجِدْ غيرَ سلسلة من الذكريات أو غيرَ سلسلة من الخواطر المختلطة المتحولة المرتبطة في

غريزة الحياة، ولم نَجِد غير مجموعة من عادات إحساسنا وغيرَ انعكاسٍ شعوريٍّ أو لا

شعوريٍّ للحوادث المحيطة بنا، والخلاصةُ أن ذاكرتنا هي أثبتُ شيء في سَدِيمِنا ...

وليس مما نبالي به أن يَعْرِف بَدَنُنَا أو جوهرُنا - في الأبدية - ضروبَ السعادة

والمجد أو أن يعاني أروع التحولات وأعذبَها فيصيرَ زهرًا أو عطْرًا أو جَمَالًا أو نورًا أو

أثيرًا أو كوكبًا، فمما لا مراء فيه أنه يغدو ذلك، فيجب أن نبحث عن موتانا في الفضاء

والضياء والحياة، لا في مقابرنا، وليس مما نبالي به أيضًا أن يزدهر ذكاؤُنا حتى يختلطَ

بِكُنْه العوالم ويدركَه ويسيطرَ عليه، فمما نعتقده أن هذا كلَّه لن يؤثر فينا، ولن يَسُرَّنا،

ولن يَصِلَ إلينا ما لم ترافقنا ذكرى بعض الحوادث التافهةِ تقريبًا، فتكونَ شاهدةً على

تلك السعادات التي لا تخطر على قلب بشر «.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت