وتَعْنِي حياةُ الأخلاق والخِلَالُ والفضائل إطاعةً للقانون وللتقاليد
القائمة منذ زمن طويل.
والعادة هي من القوة بحيث تَحْمِلنا على النزول عند حُكْمها، ومن الصواب قول
ذلك العالم:
إن كلَّ أخلاق هو ضَرْبٌ من الاستبداد بالطبيعة، وبالعقل أيضًا، هو عكسٌ
للانطلاق ... وجوهرُ الأخلاق وقيمتُها في قَسْرها المستمر.
وفي هذا الفصل وفي الفصول السابقة بَيَّنَّا أن الأخلاق ليست وليدةَ اختيارٍ أو نتيجةَ
إرادةٍ إلهية، فالأخلاقُ هي بِنْت ضروراتٍ أوجبتها البِيئَة الاجتماعية فتَحَوَّلَت إلى عادات
مقدارًا فمقدارًا، ثم استقرت بفعل القوانين بعض الاستقرار.
والأخلاقُ إذا ما ثَبَتَت في النفوس كانت جزءًا من الواجبات التي تكتنفنا من المهد
إلى اللحد فلا نُبْصِرها في الغالب، وقليلون من يَجْرُئُون على السير وعلى التفكير مخالفين
من يحيطون بهم، وقليلون من يكونون ذوي آراء أصلية لهذا السبب، وهم لا يحوزون
مثلَ هذه الآراء إلَّا باعتزالهم.
ونحن إذا ما وُفِّقْنا لِبيان ثِقَل المُؤَثِّر الاجتماعيِّ فإن ذلك لا يمنعنا من أن نذكر
وجود ما ذهب إليه كَنْتُ من الأخلاق الحَتْمِيَّة، ولكن مع عَزْوها إلى مصدر اجتماعيٍّ، لا
إلى مصدر رَبَّانيٍّ.