فهرس الكتاب

الصفحة 96 من 132

ولا ضَيْرَ في أن يكون قد أَثْبَت - كما لاحظه فَاغِيه - عَدَمَ إخلاصه لِمنهاجِه بِسَيْره

وراء خياله في بَدِيهِيَّات عقله، فإذا كان من الصواب أن قِيلَ: «إنه صار يؤمن بكلِّ شيء

بعد أن شكَّ في كلِّ شيء» فإنه شَكَّ حين كان علم اللاهوت لا يَحْتَمِل الشَّكَّ، فكان هذا

تقدمًا عظيمًا يَعْسُر فَهْمُ أهميته على أفكارنا التي تَحَرَّرَت من نِير السلطان الدينيِّ.

وتَتَجلَّى عظمةُ شأن ديكَارْتَ، على الخصوص، عند النظر إلى أن خلفاءه ساروا على

الطريق الواسعة التي فَتَحها.

وكَنْتُ أشهرُ أولئك، ولم يكن كَنْتُ أولَ من كشف نِسْبِيَّة معارفنا كما قُلْتُ ذلك آنفًا،

وبدا إبداعه في إثبات تلك النِّسْبِيَّة بمنطقٍ يفوق منطق من ظهروا قبله، ولم يَحْدُث، قَطُّ،

أن أثُْبت بمثل حرارته أن أَهَمَّ مبادئنا - ولا سيما ما دار منها حَوْلَ الزمان والمكان -

مُقَيَّدٌ بوجوه إدراكنا، والعالَم الذي نَعْرِفه هو، عند كَنْتَ، وليدُ فكرنا، فمن المتعذر أن

نجاوز حدودَ مُعْطَياتِ التَّجْريب المنظمة بواسطة الإدراك، فالإنسانُ لا يبصر الطبيعةَ إلا

بالانطباعات التي تأتيه من الطبيعة مُحَوَّلةً بروحه. 2

ولو وَقفَ كنْتُ عند هذا التعليم المرسوم في كتابه: «انتقاد العقل المَحْض «لكان

عقليٍّا مَحْضًا، ولكن هذا المفكرَ المشهورَ وَرِثَ - كجميع رجال عصره - نفسيةً دينية

كان عليه أن يُرْضِيَها، فوضع كتابه: «انتقاد العقل العمليِّ» ، وهذا الكتاب قد أعان على

إثبات إمكان تنضُّدِ أنواعٍ للمنطق في النفس الواحدة، كالمنطق العقلي والمنطق الدينيِّ

على الخصوص، وذلك كما فصَّلْتُ في كتاب آخر، فنَجَم عن تلك الأنواع ظهورُ نظرياتٍ

متناقضة.

وأَعْرَضَ كنْتُ في كتابه: «انتقاد العقل العمليّ» عن المذهب العقليِّ منتحلًا عَملَ العالِم

اللاهوتي، فقد تكلم فيه عن أسُس الأخلاق مفترضًا أننا أحرارٌ لضرورةِ هذه الحرية في

اختيار الخير أو الشرِّ، وعند كنْتَ أنه لا بُدَّ من الثواب أو العقاب، والثوابُ والعقاب إذ لم

يتحققا في هذه الدنيا وَجَب أن يكونا في حياة آخرة، وروحُنا لكي تَخْضَع لحُكْم حَاكِم،

وجب أن تكون خالدةً إذَنْ.

وبَدَتْ ضرورةُ الثواب والعقاب لكَنْتَ دليلًا قاطعًا على وجود لله.

واليوم لا تَجِد مدافعين كثيرين لتلك المبادئ الدينية التي ذكرناها في فصل آخر،

فعلماءُ اللاهوت وحدَهم هم الذين يستطيعون أن يقولوا مدافعين بوجوب وجود لله

ليكون العالَمُ عالَمَ أخلاق.

وسلك خلفاءُ كَنْتَ سبيلَ المذهب العقليِّ أكثر مما سلك مع اعتقادهم وجودَ إلهٍ واحد

وإنكارهم الوحيَ، وهم قد حاولوا مثله استخراجَ نتائجَ عمليةٍ من فلسفتهم، ومما قاله

هِيغِل أن الإنسان سَيُحِلُّ في نفسه، في نهاية الأمر، الإرادةَ العامة محلَّ الإرادة الخاصة،

فعلى الدولة القوية أن تَضُمَّ الدولَ الصغيرة إليها، وما انتصارات الشعب في الحرب إلا

دليلٌ على أفضلية هذا الشعب، ودرجةُ قوة هذا الشعب تُعَيِّن حقوقَه، والحربُ، عند هذا

الفيلسوف، أمرٌ أبديٌّ.

ومن المعلوم أن أفكار هِيغِل ونظرياتِ خلفائِه أَثَّرَت كثيرًا في السياسة الألمانية، فكان

شُوپِنْهاوِر يَعُدُّ العالَمَ مَسْرَحَ ذَبْحٍ، غير أن طبيعة شُوپِنْهَاوِرَ المنفعلةَ كانت تَحْمِله على

القول بالتَّجَرُّد والزهد، وإلى عكس هذا ذهب تلميذه نِيتْشِه فقال بأخلاق العُنْفِ داعيًا

الأخلاقَ النصرانية في الزهد، التي يَدْنو شُوپِنْهَاوِرُ منها، بأخلاق العبيد، وعند نِيتْشِه أن

الشعر الدينيَّ يختلط بالفلسفة.

ومما ترى في الغالب أن الفلاسفة المذكورين آنفًا مُشْبَعُون من المناحي الدينية، غير

أنهم ينتحلون أدلةً عقلية على الدوام.

ونشأ عن ذلك السَّيْر نحوَ المذهب العقليِّ فوزُ الشروح العقلية من غير نظر إلى

العناصر الدينية والعاطفية الملازمة لطبيعتنا، وظلَّ ?ولتيرُ ودِيدِرُو وألُبَاخُ وهِلْ?يسْيُوسُ

وكُنْدِيَّاكُ وجميعُ فلاسفة القرن الثامنَ عشرَ من أنصار المذهب العقلي وحدَه، وكان رُوسُّو

من شواذِّ الكُتَّاب النادرين في ذلك.

وأدَّت النظريات العقلية أيام الثورة الفرنسية إلى محاولة تجديد المجتمع على أساس

جديد كما هو معلوم.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت