ولا تُشَاهَدُ تقلبات الأخلاق في الأمم المتباينة وحدَها، بل تشاهَدُ، كذلك، في الأمم
الواحدة بحسب أَوْجُهِ تاريخها المختلفة، ولا مِرَاءَ في هذا التحول الذي يقع ببطء لِتَطَوُّرِ
المشاعر بسرعة أقلَّ من سرعة تطور العقل، فقد زال الرِّقُّ والذبح في الملاعب وكلُّ مظاهر
الوحشية لدى الرومان مقدارًا فمقدارًا، ومما يتعذر في الوقت الحاضر ظهورُ أمراءَ من
طِراز هنري الثامن وألِكْسَنْدِر السادس وسِيزَار بُورْجِيَا، ومن النادر أن يَحْرِق الفاتحون
في زماننا أَسْرَاهم أحياءً أو أن يَفْقَئُوا عيونَ هؤلاء الأسَرَى وَفْقَ عادة بعض الأمم في
القرون القديمة، فعند ما حدَث ذلك في حروب البلقان الأخيرة قامت أوروبة وقعدت
غضبًا، حتى إن الوحشيةَ الموروثة تَبْدُو أقلَّ شِدَّة من قبل في زمن الثَّوْرات والحروب
حين تزول الزواجر الاجتماعية، فلا يَجْرؤ فاتحٌ أن يُبِيد بالسيف جميعَ سكان المدينة
المقهورة.
ولا تُسْتَنْتَج من تَغَيُّر الأخلاق في غُضُون العروق والزمان قِلَّةُ ثبات هذه الأخلاق،
فالأخلاقُ، بالعكس، كثيرةُ الثبات في دور مُعَيَّن، ويمكن أن تُقَاسَ الأخلاقُ بأنواع ذوات
الحياة الثابتة في أثناء مشاهداتنا لها مع أنها تتحول على مَرِّ الأجيال.
وما يَقْضِي به الفلاسفةُ من مَقُولَاتٍ إذ كان عُنْوَانًا لمقتضيات أحد الأدوار فإنه يبدو
ثابتًا لا يتغير ما ظَلَّت هذه الضروراتُ ثابتةً في قرون، فالأخلاقُ تَبْقَى مطلقةً في زمن
مُعَيَّن إذَنْ، وهي إذا ما نُظِر إليها من خلال الأزمنة ظهر تَحَوُّلُها، شأنُ مُعْظم الحقائق
كما رأينا.
ويبدو صواب المبادئ العامة المعروضةِ آنفًا بأوضحَ مما تقدم في الفصول التي
خصصناها لدراسة أسُُس الأخلاق الخيالية وأسُُسِها الحقيقية.