والأخلاقُ عند الحيوانات، كما هي عند الإنسان، تتطور وَفْقَ مقتضيات البِيئَة
والأحوال، فلم يَصِلْ جميعُ أنواع النَّحْل إلى درجة واحدة من الأخلاق، والباحثُ إذا ما أنعم
النظر فيها أبصر مرحلة الانتقال التدريجيِّ من حياة الأثَرَة إلى التضامن الاجتماعي.
وتلك الأنواع، عندما تأخذ في التضامن، تظلُّ مبادئها الخُلقية على شيء من التذبذب،
وهي لا تَصِلُ إلى مرحلة الثبات إلا حين تكون بالغةً درجةً رفيعة من التطور، فالزَّنَابِيرُ
التي كانت تَحْيَا، في الأصل، حياةَ انفراد، لم تَنْتَهِ إلى أحوالها المُعَقَّدَة إلا ببطء.
وفي النحل التي تقدمت في تطورها كثيرًا تُبْصِر الشعورَ بالواجب ناميًا جدٍّا، فهي
شديدة الاحترام لمَلِكتها فتطيعها بإخلاصٍ وتطيعها مختارةً إلى درجة الهلاك في سبيل
الدفاع عنها، ولا يمنعها هذا الاحترامُ من إساءة معاملتها عندما تُقَصِّر في القيام بواجباتها،
حتى إنها ترضى بقتلها، والقتلُ إذ يُعَدُّ أمرًا خطيرًا فإنه لا يُنَفَّذ إلَّا على وجه جَمْعِيٍّ.
والواجبُ هو آيةُ الحياة لدى النحل، فالفردُ يُضَحِّي بنفسه بلا انقطاع في سبيل
مصالح المجتمع، وشعورٌ بالتضامن مثلُ هذا مقصورٌ، مع ذلك، على كلِّ خَلِيَّة، فلا يتردد
نحلُ الخَلِيَّة في الهجوم على الخَلَايا الأخرى لزيادة مِيرَتها، ولم يكن غيرَ هذا ما كان يقع
عند أمم القرون القديمة، ولا سيما الإغريق، وذلك حين كان التضامن لديها لا يَعُمُّ أبناءَ
المدن الأخرى، وحين كان لا يُتَوَرَّع من الاستيلاء على أموالها.
وفي مجتمعات النَّحْل، حيث يكون التضامن كثيرًا كما رأيتَ، لا مكان للكُسَالَى،
فلذلك ترى مجلس الخَلِيَّة يُقَرِّر، في الحين بعد الحين، قتلَ ذكورِ النحل عندما تصبح
غيرَ نافعةٍ فتطلب العيشَ بلا عمل.
وجميعُ تلك الأعمال وما ماثلها، كالتغيير في بناء مساكنها وفي جَمْع أَقْوَاتِها تَبَعًا
للأحوال، أي القدرةُ على تبديل السلوك بتبدل الهَدَف، أي ما يدلُّ على قوة الإدراك، مما
حَفَز كثيرًا من المؤلفين، ولا سيما الأستاذَ العَلَّامة مسيو غَاسْتُون بُونْيِه، إلى القول بوجود
إدراك لدى الحشرات، وإن كنتُ لا أعتقد إمكانَ قياس هذا الإدراك بإدراكنا، وفي غير
كتابٍ بَيَّنْتُ الأمور التي يختلف بها المنطق العقليُّ عن منطق الحياة والمنطق العاطفيِّ،
فبهذين المنطقين الأخيريْن يَسِيرُ تطور الموجودات الدنيا.
وإذا كانت أخلاق الحيوانات تشابه أخلاقَ الإنسان مشابهةً وثيقة في بعض الأحيان
مع اختلاف قابلياتهما العقلية كثيرًا فلِقِيام الأخلاقيْن على منطقيْن لا عقليَّيْن مشتركيْن
بين جميع المخلوقات العُلْوية والسُّفْلية، فالإنسان - وإن كان يختلف عن الحيوانات
اختلافًا عظيمًا في ميدان العقل - يَقْرُب منها في ميدان العاطفة والحياة.
ويساعد جهاز الحياة الجَمْعِيَّة في الحيوانات على إثباتنا أن الضروراتِ الاجتماعيةَ
هي المصدر الحقيقيُّ للأخلاق، وأنها لا مَحِيصَ عنها في المحافظة على هذه الأخلاق.
ومن شأن الأمور المذكورة والأمور التي سيأتي بيانها إبداءُ آراء في الخير والشرِّ على
وجه يخالف آراءَ علماء الأخلاق والفلاسفة، فالحَقُّ أن الأخلاق لا تكون مُعَقَّدَةً في غير
الكتب.