وهذه الغريزة، التي هي إحدى معاني العقل، شرط في المعقولات والمعلومات، وهي مناط التكليف؛ فإذا عدمت في الإنسان، سقطت عنه التكاليف الشرعية.
وفي ذلك يقول الحارث المحاسبي (ت 243 هـ) : (فالعقل غريزة، جعلها الله في الممتحنين من عباده؛ أقام به على البالغين للحلم الحجة، وأنه خاطبهم من جهة عقولهم، ووعد، وتوعد، وأمر، ونهى، وحض، وندب) [1] .
وهذا العقل المشروط في التكليف لا بد أن يكون علوما يميز بها الإنسان بين ما ينفعه وما يضره.
وعن هذا المعنى نفسه، يقول ابن تيمية (ت 728هـ) : (العقل شرط في معرفة العلوم، وكمال وصلاح الأعمال، وبه يكمل العلم والعمل، ولكنه ليس مستقلا بذلك، لكنه غريزة في النفس، وقوه فيها، بمنزلة قوة البصر التي في العين) [2] .
ويلاحظ تشبيهه العقل بالبصر.
وقد سبقه إلى هذا التشبيه البليغ قوم، قالوا عن العقل: (هو نور وضعه الله طبعا وغريزة، يبصر به، ويعبر به. نور في القلب، كالنور في العين، وهو البصر .. ) [3] .
(1) المحاسبي، مصدر سابق، ص 19.
(2) ابن تيمية، مجموع الفتاوى، مصدر سابق، 3/ 338.
(3) المحاسبي، مصدر سابق، ص 19.