ولو كانَ كما يقولُ لقيل: (ينبغي على المسلمِ ألا يفعل كذا) بـ (على) . وهو خطأ شائعٌ لا وجهَ له من مجازٍ أو تضمينٍ. وقد وقع فيه بعضُ العلماءِ، كالثعالبيِّ في (الإعجاز والإيجاز) ناقلًا عن بعضِهم؛ قالَ: (ينبغي على الملك أن يعتني بملك رعيته كعنايته بملكه) ؛ فلا أدري أكانَ نقلُه باللفظِ أم بالمعنى!
والاستدلالُ لقولِ (لا ينبغي) بالمعنى الحقيقي أو المجازي من سُبُلٍ عدةٍ:
الأولى: القرآن الكريم:
قال تعالى: {أنْ دعَوا للرحمنِ ولدًا * وما ينبغي للرحمن أن يتخذ ولدًا} [مريم: 91، 92] أي: وما يمكنُ في حقِّه، ولا يسوغُ لو طلبتم له ذلك. وهي تحتملُ الإطلاقَ الحقيقيَّ، والمجازيَّ. وكانَ الصوابَ على لازمِ كلامِ بعضِ جُهَّالِ هذا الزمانِ أن يقالَ: (وينبغي للرحمن ألا يتخذ ولدًا) فيفسد معنى كتاب الله تعالى!
وقالَ: {وما علمناه الشعرَ وما ينبغِي له} [ياسين: 69] أي: وما ينقاد له، ولا يمكنه لو طلبَه. يحتمل الحقيقةَ والمجازَ.
وقالَ: {لا الشمس ينبغي لها أن تدركَ القمرَ} [ياسين: 40] أي لا يمكنها ذلك. معناه حقيقي.
وقالَ: {وما تنزَّلت به الشياطين * وما ينبغي لهم وما يستطيعونَ} [الشعراء: 210، 211] . بيَّن في هذه الآيةَ معناها بما بعدها. وهو معنًى حقيقيٌّ.
وقال: {ما كان ينبغي لنا أن نتخذ من دونك من أولياءَ} [الفرقان: 18] أي: ما يسوغ، ولا يليقُ، ولا يمكن. مجازيّ.
وقال: {وهب لي ملكًا لا ينبغي لأحدٍ من بعدي} [صاد: 35] أي: لا يمكن. معناه حقيقيّ.
الثانية: الحديث الشريف:
قالَ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ: (لا ينبغي عند نبيٍّ تنازع) [متفقٌ عليه] . معناه مجازيّ.
وقال عن الله تعالى: (يشتِمني ابنُ آدم، وما ينبغي له أن يشتِمَني) [رواه البخاريُّ] . معناه مجازيّ.
وقال: (لا ينبغي لعبدٍ أن يقولَ: أنا خيرٌ من يونسَ بنِ متَّى) [متفقٌ عليه] . مجازيّ.
وقالَ: (لا ينبغي للشيطان أن يتشبه بي) [رواه مسلمٌ] . لعلَّ إطلاقَه حقيقيّ؛ أي: لا يستطيعُ.
والأحاديث في ذلك لا تُحصَى!
الثالثة: الشعر:
قالت زينب بنت فروة التميمية (جاهلية) ، ويروى لليلى الأخيلية (أموية) :
لنا صاحبٌ لا ينبغي أن نخونَه ** وأنتَ لأخرى صاحبٌ وخليلُ
وقالَ ورقة بن نوفل (مخضرم) :
مسخَّرٌ كلُّ مَن تحت السماء له ** لا ينبغي أن يناوي ملكَه أحدُ
وقالَ جرير (أمويّ) :
ما ينبغي للمسلمين ذمُّهُ
الرابعة: كلام العلماءِ:
وليس بحجةٍ إذا كانوا في غير زمن الاحتجاجِ؛ ولكنه مما يستأنسُ به؛ ولا سيما إذا كثُروا:
قالَ ابنُ المقفَّع في كليلة ودمنة: (لا ينبغي لأحدٍ أن يخاطرَ بنفسه وهو يستطيع غير ذلك) .
وقالَ في الأدب الصغير: (لا ينبغي للمرء أن يعتدَّ بعلمِه ورأيِه ما لم يذاكره ذوو الألباب) .
وقالَ الجاحظ في الحيوانِ: (فلا ينبغي لنا أيضًا أن نأخذ في هذا البابِ ... ) .
وقالَ في البيان والتبيين: (وكما لا ينبغي أن يكونَ اللفظ عاميًّا، وساقطًا سوقيًّا ... ) .
وقالَ المبرد في الكاملِ: (ولا ينبغي على حكم الإسلام أن يكونَ هذا مستعملًا ... ) .
وقال الصولي في أدب الكتاب: (ولا ينبغي لمن رفعته حالٌ ... ) .
وقال ابن الأثير في المثل السائر: (ومع هذا فلا ينبغي لصاحب هذه الصناعة ... ) .
وقال أبو العلاء المعري في الصاهل والشاحج: (فمثل هذا الحديث لا ينبغي أن يلتفتَ إليه) .
وفي نهجِ البلاغةِ المنسوبِ لعليٍّ 1 - رَضِيَ اللَّهُ عَنهُ: (ولا ينبغي لي أن أدع الجندَ والمِصرَ) .
والأمثلة لذلك مما لا يحيطُ به الذكرُ. وما إن أرى بعد كلام الله تعالى ولا كلام رسوله - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّم َ - كلامًا.
المسئلة الرابعة: في حكمِ قولِ (ينبغي) بالإثباتِ:
تقدمَ الكلامُ على (لا ينبغي) بالنفي مفصَّلًا.
والكلامَ في ما ها هنا على (ينبغي) بالإثباتِ، كقولِك: (ينبغي للمسلمِ أن يتقيَ ربَّه) .
فنقولُ:
إنا بيَّنا أن معنى (ينبغي) الحقيقي هو (يمكن ويجوز ويتيسَّر) . واستعمالُها بالإثباتِ على أربعةِ أضربٍ:
(يُتْبَع .. اقلب الصفحة)