في الثاني والعشرين من صفر 1350هـ (1931م) ، رأى علي الطنطاوي يومًا من أشدِّ أيامِ حياته وأقساها، وأكثرها ألمًا، لا يزيد عنه ألمًا إلا يومَ فقد ابنته. كانت أمُّه قد أُصيبت بجرح في قدمها من مقصٍّ وقع عليها، وآثرت ألا تُشغل أولادها وتُتعبهم، فهوَّنت من الأمر عليه ولم تدعه يستدعي طبيبًا لها، وبقيت تغالب ألمها وتكتمه عن أولادها حتَّى استفحل أمر الجرح بعد ثلاثة أيَّام وصار الألم لا يُحتمل، فأخبرته بذلك فأسرع بها إلى طبيبٍ جرَّاح شقَّ لها الجُرح ونظَّفه. لكنَّ مرضها استمر بالزِّيادة، فطلب صديقه الطبيب صبري القبَّاني ليراها فأمر أن يُسرعوا بها إلى المستشفى، وأُدخلت فورًا إلى غرفة العمليَّات، وبقي رحمه الله ينتظر جَزِعًا، وإذا بالدكتور صبري يخرج ليُخبره أنْ لا بُدَّ من بَترِ ساقها ويأخذ موافقته على ذلك فالأمر لا يحتمل تأخيرًا، فأخذ منه الموافقة وتركه مذهولًا لا يُمكنه أن يتصوَّر كيف تخرج أمُّه من غرفة العمليَّات بساقٍ واحدة. لكن عندما فُتح باب غرفة العمليَّات فيما بعد، وخرج منها الدُّكتور صبري، كان على وجهه الخبر؛ لم تخرج أمُّه من غُرفة العمليَّات بساقٍ واحدة كما كان يخشى، بل خرجت ميِّتة لتُحمل إلى مثواها الأخير. تجمَّد رحمه الله وهو يسمع الخبر ولم يعد يقوى على الكلام ولا على الحركة، فأمسك به الدكتور صبري وأخرجه ولبِثوا جميعًا يواسونه وهو لا يسمع ما يقولون، وغُسِّلت رحمها الله وكُفِّنت وهو لا يدري شيئًا مما يحدث، قام بذلك الإخوة المخلصون من أصحابه: الدكتور صبري القبَّاني، والشيخ عبد القادر العاني، وأنور العطَّار، وأبناء خالته طه وثابت الخطيب وآخرون من تلاميذه. ثمَّ ذهبوا للصَّلاة عليها في جامع التَّوبة في العقيبة، وهناك بكى، بكى أمَّه وهي ترحل، وبكى أباه الذي رحل من قبل، وبكى آلامه كُلَّها، بكى وهو لمْ يدرك تمامًا المُصاب الذي أصابه. وعاد إلى البيت وقد هدَّه الحزن والألم على أمه، ليجد أمامه معركة مع خالته وعمَّته اللتين كان يعرف لهما فضلهما ولا يتفق معهما في الرأي، معركة على المأتم والطُّقوس والبِدَع التي كانوا يحرصون عليها، وفيها مُخالفة للشَّرع وإرهاقٌ لأصحاب المُصيبة فوق مُصيبتهم، فقال لا بملء فِيه وأصرّ على موقفه، وبدأتا تصيحان عليه وتجمعان بصوتهما الجيران، فلمْ يبالِ. كان الحُزن على أُمِّه يقطِّع قلبه ولم يكن يكترث بطقوسهم، أخذ إخوته وخرج وأغلق الباب، وذهب بهم إلى قرية بعيدة لِيُخفِّف عنهم. وعندما همُّوا بالنَّوم إذا بأخيه الصَّغير سعيد يسأل: أين ستنام أُمِّي؟ فكانت هذه طعنة أخرى لقلبه الجَريح.
في التعليم الابتدائي في القرى ونيل الإجازة في الحقوق:
من الأعمال التي مارسها علي الطنطاوي ليرتزق منها سنة 1931م دروس مبتكرة في اللغة العربية أعدها للطلاب وجعلها في المدرسة الأمينيّة بعد انصراف تلاميذها، مقابل ليرتين من طالب"البكلوريا"وليرة من تلميذ الثانوية في الشهر.
بعد إغلاق جريدة الأيام التي كان يعمل فيها ويعيش منها، لم يعد لديه مورد ينفق منه على نفسه وإخوته، ولم يعد أمامه خيار إلا القبول بالوظيفة الحكومية التي كان يرفضها لأن الحكومة كانت عونًا للمستعمرين، فرضي أن يعمل معلمًا كما فعل رفاقه ومشايخه، وعُيّن في سلمية سنة 1932م، بلد الإسماعيليين على طرف بادية الشام، وانتقل إليها والسنة الدراسية في أواخرها ولم يمكث فيها طويلًا لكنها كانت أيام جميلة، وكان راتبه ستًا وثلاثين ليرة.
في نهاية صيف 1932م صدرت التشكيلات الجديدة وجاءه قرار نقله إلى مدرسة صغيرة فيها ثلاثة صفوف في"سقبا"في غوطة دمشق، كان فيها المعلم والمدير والموظف الوحيد، فاستعان برجل صالح هو شيخ الكُتّاب في القرية فسلّمه الصف الأول بعد أن استأذن وزارة المعارف في ذلك وكان يشرف بنفسه على عمل الشيخ. وكان في هذه المدرسة للتلاميذ المعلم والمربي والراعي والمدرب الرياضي والأب والأخ الكبير. وكما علمهم فأحسن تعليمهم رباهم فأحسن تربيتهم، غرس في قلوبهم الإيمان وعودهم أداء العبادات والصدق في القول والجرأة في الحق لا يخافون في الله لومة لائم، وضرب لهم أمثلة في مواقف ظهرت فيها لهم منه قوة في الحق وثبات عليه. واتبع معهم أساليب تربوية راقية بأن عودهم حمل المسؤولية وأداء المهمات، وكان المبادر معهم إلى
(يُتْبَع .. اقلب الصفحة)