فهرس الكتاب
⚠️ تم عرض جزء فقط من الفهرس حول الصفحة الحالية لتسريع التحميل.

⚠️ تم عرض جزء فقط من الفهرس حول الصفحة الحالية لتسريع التحميل.
الصفحة 48884 من 82138

وَبَيَان ذَلِكَ بِسِيَاقِ مَا وَرَدَ فِي عِلَّة النَّهْي، فَمِنْهَا مَا تَقَدَّمَ مِنْ أَنَّهُ لَا يُؤْمَن دُخُول شَيْء مِنْ الْهَوَامّ مَعَ الْمَاء فِي جَوْف السِّقَاء فَيَدْخُل فَم الشَّارِب وَهُوَ لَا يَشْعُر، وَهَذَا يَقْتَضِي أَنَّهُ لَوْ مَلَأ السِّقَاء وَهُوَ يُشَاهِد الْمَاء يَدْخُل فِيهِ ثُمَّ رَبَطَهُ رَبْطًا مُحْكَمًا ثُمَّ لَمَّا أَرَادَ أَنْ يَشْرَب حِلّه فَشَرِبَهُ مِنْهُ لَا يَتَنَاوَلهُ النَّهْي، وَمِنْهَا مَا أَخْرَجَهُ الْحَاكِم مِنْ حَدِيث عَائِشَة بِسَنَدٍ قَوِيّ بِلَفْظِ"نَهَى أَنْ يُشْرَب مِنْ فِي السِّقَاء لِأَنَّ ذَلِكَ يُنْتِنهُ"وَهَذَا يَقْتَضِي أَنْ يَكُون النَّهْي خَاصًّا بِمَنْ يَشْرَب فَيَتَنَفَّس دَاخِل الْإِنَاء أَوْ بَاشَرَ بِفَمِهِ بَاطِن السِّقَاء، أَمَّا مَنْ صَبَّ مِنْ الْقِرْبَة دَاخِل فَمه مِنْ غَيْر مُمَاسَّة فَلَا، وَمِنْهَا أَنَّ الَّذِي يَشْرَب مِنْ فَم السِّقَاء قَدْ يَغْلِبهُ الْمَاء فَيَنْصَبّ مِنْهُ أَكْثَر مِنْ حَاجَته فَلَا يَأْمَن أَنْ يَشْرَق بِهِ أَوْ تَبْتَلّ ثِيَابه، قَالَ اِبْن الْعَرَبِيّ: وَوَاحِدَة مِنْ الثَّلَاثَة تَكْفِي فِي ثُبُوت الْكَرَاهَة، وَبِمَجْمُوعِهَا تَقْوَى الْكَرَاهَة جِدًّا.

وَقَالَ الشَّيْخ مُحَمَّد بْن أَبِي جَمْرَة مَا مُلَخَّصه: اُخْتُلِفَ فِي عِلَّة النَّهْي فَقِيلَ: يُخْشَى أَنْ يَكُون فِي الْوِعَاء حَيَوَان أَوْ يَنْصَبّ بِقُوَّةٍ فَيَشْرَق بِهِ أَوْ يَقْطَع الْعُرُوق الضَّعِيفَة الَّتِي بِإِزَاءِ الْقَلْب فَرُبَّمَا كَانَ سَبَب الْهَلَاك أَوْ بِمَا يَتَعَلَّق بِفَمِ السِّقَاء مِنْ بُخَار النَّفْس أَوْ بِمَا يُخَالِط الْمَاء مِنْ رِيق الشَّارِب فَيَتَقَذَّرهُ غَيْره أَوْ لِأَنَّ الْوِعَاء يَفْسُد بِذَلِكَ فِي الْعَادَة فَيَكُون مِنْ إِضَاعَة الْمَال، قَالَ: وَاَلَّذِي يَقْتَضِيه الْفِقْه أَنَّهُ لَا يَبْعُد أَنْ يَكُون النَّهْي لِمَجْمُوعِ هَذِهِ الْأُمُور وَفِيهَا مَا يَقْتَضِي الْكَرَاهَة وَفِيهَا مَا يَقْتَضِي التَّحْرِيم، وَالْقَاعِدَة فِي مِثْل ذَلِكَ تَرْجِيح الْقَوْل بِالتَّحْرِيمِ، وَقَدْ جَزَمَ اِبْن حَزْم بِالتَّحْرِيمِ لِثُبُوتِ النَّهْي وَحَمَلَ أَحَادِيث الرُّخْصَة عَلَى أَصْل الْإِبَاحَة، وَأَطْلَقَ أَبُو بَكْر الْأَثْرَم صَاحِب أَحْمَد أَنَّ أَحَادِيث النَّهْي نَاسِخَة لِلْإِبَاحَةِ لِأَنَّهُمْ كَانُوا أَوَّلًا يَفْعَلُونَ ذَلِكَ حَتَّى وَقَعَ دُخُول الْحَيَّة فِي بَطْن الَّذِي شَرِبَ مِنْ فَم السِّقَاء فَنُسِخَ الْجَوَاز.

قُلْت (الحافظ) وَمِنْ الْأَحَادِيث الْوَارِدَة فِي الْجَوَاز مَا أَخْرَجَهُ التِّرْمِذِيّ وَصَحَّحَهُ مِنْ حَدِيث عَبْد الرَّحْمَن بْن أَبِي عَمْرَة عَنْ جَدَّته كَبْشَة قَالَتْ"دَخَلْت عَلَى رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَشَرِبَ مِنْ فِي قِرْبَة مُعَلَّقَة"وَفِي الْبَاب عَنْ عَبْد اللَّه بْن أُنَيْس عِنْد أَبِي دَاوُدَ وَالتِّرْمِذِيّ وَعَنْ أُمّ سَلَمَة فِي"الشَّمَائِل"وَفِي مُسْنَد أَحْمَد وَالطَّبَرَانِيِّ وَالْمَعَانِي لِلطَّحَاوِيّ، قَالَ شَيْخنَا فِي شَرْح التِّرْمِذِيّ: لَوْ فَرَّقَ بَيْن مَا يَكُون لِعُذْرٍ كَأَنْ تَكُون الْقِرْبَة مُعَلَّقَة وَلَمْ يَجِد الْمُحْتَاج إِلَى الشُّرْب إِنَاء مُتَيَسِّرًا وَلَمْ يَتَمَكَّن مِنْ التَّنَاوُل بِكَفِّهِ فَلَا كَرَاهَة حِينَئِذٍ وَعَلَى ذَلِكَ تُحْمَل الْأَحَادِيث الْمَذْكُورَة، وَبَيْن مَا يَكُون لِغَيْرِ عُذْر فَتُحْمَل عَلَيْهِ أَحَادِيث النَّهْي. قُلْت: وَيُؤَيِّدهُ أَنَّ أَحَادِيث الْجَوَاز كُلّهَا فِيهَا أَنَّ الْقِرْبَة كَانَتْ مُعَلَّقَة وَالشُّرْب مِنْ الْقِرْبَة الْمُعَلَّقَة أَخَصُّ مِنْ الشُّرْب مِنْ مُطْلَق الْقِرْبَة، وَلَا دَلَالَة فِي أَخْبَار الْجَوَاز عَلَى الرُّخْصَة مُطْلَقًا بَلْ عَلَى تِلْكَ الصُّورَة وَحْدهَا، وَحَمْلهَا عَلَى حَال الضَّرُورَة جَمْعًا بَيْن الْخَبَرَيْنِ أَوْلَى مِنْ حَمْلهَا عَلَى النَّسْخ وَاَللَّه أَعْلَم. وَقَدْ سَبَقَ اِبْن الْعَرَبِيّ إِلَى نَحْو مَا أَشَارَ إِلَيْهِ شَيْخنَا فَقَالَ: يَحْتَمِل أَنْ يَكُون شُرْبه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي حَال ضَرُورَة، إِمَّا عِنْد الْحَرْب وَإِمَّا عِنْد عَدَم الْإِنَاء أَوْ مَعَ وُجُوده لَكِنْ لَمْ يَتَمَكَّن لِشُغْلِهِ مِنْ التَّفْرِيغ مِنْ السِّقَاء فِي الْإِنَاء، ثُمَّ قَالَ: وَيَحْتَمِل أَنْ يَكُون شَرِبَ مِنْ إِدَاوَة، وَالنَّهْي مَحْمُول عَلَى مَا إِذَا كَانَتْ الْقِرْبَة كَبِيرَة لِأَنَّهَا مَظِنَّة وُجُود الْهَوَامّ، كَذَا قَالَ، وَالْقِرْبَة الصَّغِيرَة لَا يَمْتَنِع وُجُود شَيْء مِنْ الْهَوَامّ فِيهَا، وَالضَّرَر يَحْصُل بِهِ وَلَوْ كَانَ حَقِيرًا، وَاَللَّه أَعْلَم.

انتهى

وقول الحافظ رحمه الله (، بِخِلَافِ مَا تَقَدَّمَ مِنْ رِوَايَة اِبْن أَبِي ذِئْب فِي أَنَّ ذَلِكَ كَانَ سَبَب النَّهْي)

يشير إلى حديث أبي سعيد عند البخاري

5625 - حَدَّثَنَا آدَمُ حَدَّثَنَا ابْنُ أَبِى ذِئْبٍ عَنِ الزُّهْرِىِّ عَنْ عُبَيْدِ اللَّهِ بْنِ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ عُتْبَةَ عَنْ أَبِى سَعِيدٍ الْخُدْرِىِّ - رضى الله عنه - قَالَ نَهَى رَسُولُ اللَّهِ - صلى الله عليه وسلم - عَنِ اخْتِنَاثِ الأَسْقِيَةِ. يَعْنِى أَنْ تُكْسَرَ أَفْوَاهُهَا فَيُشْرَبَ مِنْهَا

قال في الفتح

(وَوَقَعَ فِي مُسْنَد أَبِي بَكْر بْن أَبِي شَيْبَة عَنْ يَزِيد بْن هَارُون عَنْ اِبْن أَبِي ذِئْب فِي أَوَّل هَذَا الْحَدِيث"شَرِبَ رَجُل مِنْ سِقَاء فَانْسَابَ فِي بَطْنه جِنَّان، فَنَهَى رَسُول اللَّه صَلَّى اللَّه عَلَيْهِ وَسَلَّمَ"فَذَكَرَهُ)

انتهى

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت