وإسناه ضعيف جدًّا، فيه الأسلميّ وهو إبراهيم بن محمد بن أبي يحيى، وهو متروك كما في"التقريب".
وأمّا الحارث بن عبد الرحمن بن عبد الله بن سعد بن أبي ذُباب، فمختلف فيه؛ فقال أبو حاتم: يروي عنه الدّراورديّ أحاديث منكرة، ليس بالقوي. وقال أبو زرعة: ليس به بأس. وجمع الحافظ بين القولين فقال: «صدوق يهم» فمثله يعتبر بحديثه على أقل الأحوال؛ لكن علته إبراهيم الأسلمي، كما سبق.
فهذه أشهر الروايات في عدد ركعات التراويح في عهد عمر رضي الله عنه، ويلاحظ أنّ الخلاف وقع فيها من الرواة على السائب بن يزيد؛ حيث رواه عنه ثلاثة:
أحدهم: محمد بن يوسف وقد اختلف عليه كما في الروايات الثلاثة الأول.
والثاني: الحارث بن أبي ذباب.
والثالث: يزيد بن خصيفة.
وإذا استبعدنا رواية الحارث ـ لوهائها ـ يبقى الترجيح بين رواية ابن يوسف، ورواية ابن خصيفة، ورواية الأخير أولى بالترجيح؛ لأمور:
أولًا ـ أنه لم يختلف عليه.
بخلاف محمد بن يوسف فقد اختلف عليه أصحابه الثقات:
فرواه مالك وجماعة عنه بلفظ: «إحدى عشرة» .
ورواه ابن إسحاق عنه بلفظ: «ثلاث عشرة» .
ورواه داود بن قيس وغيره عنه، فقال: «إحدى وعشرين» .
ولعلّ في سياق القصة الآتية ما يدل على عدم ضبطه للعدد كما ينبغي، وهي ما رواه أبو بكر النيسابوريّ في"فوائده" (37) قال: حدّثنا يوسف بن سعيد، ثنا حجاج، عن ابن جريج، حدثني إسماعيل بن أمية، أنّ محمد بن يوسف ابن أخت السّائب بن يزيد أخبره، أنّ السّائب بن يزيد أخبره قال: جمع عمر بن الخطاب الناس على أبي بن كعب وتميم الداري، فكانا يقومان بمائة في ركعة، فما ننصرف حتى نرى أو نشك في فروع الفجر. قال: فكنا نقوم بأحد عشر. قلت (القائل هو إسماعيل بن أمية) : أو واحد وعشرين؟! قال: لقد سمع ذلك من السائب بن يزيد ابنُ خصيفة. فسألتُ يزيد بن خصيفة، فقال: حسبتُ أنّ السّائب قال: أحد وعشرين. قال محمد: [ ... ] (38) لإحدى وعشرين».
قال أبو بكر: هذا حديث حسن لو كان عند علي بن المديني لفرح به إلا أنه قال: ابن أخت السائب.
قلت: وصحّح إسناده العّلامة الألباني رحمه الله (39) .
فهذا النّص يشعر بأن محمد بن يوسف لم يكن بذاك الضابط المتقن للعدد؛ ولذلك جعل إسماعيل بن أمية يراجعه ويستوثقه بقوله: «أو واحد وعشرين» وكأنّه سمع ذلك من غيره.
وفي النّص أيضًا إشارة لطيفة وهي وثوق محمد بن يوسف بحفظ يزيد بن خصيفة حينما أحال السائلَ عليه بقوله: «لقد سمع ذلك من السائب بن يزيد» وقوله هذا يحتمل أحد أمرين: إمّا أنه سمع ذلك (أي أحد عشر) كما سمعته أنا، وإما أنه سمع ذلك العدد الذي ذكره إسماعيل بن أمية أي أحد وعشرين؛ وهذا أظهر للإشارة إلى أقرب مذكور، وعلى الاحتمال الأول ظنًّا منه أنه سيوافقه. وعلى كل حال فقد أجابه يزيد بن خصيفة بأنها إحدى وعشرين ركعة.
وقوله: «حسبت» لا يضره إن شاء الله؛ لأنّ الراوي ربما قال ذلك احترازًا وتحفظًا لا شكًا ومهما يكن فقد رواه عنه الجماعة على الجزم كما سبق.
وقوله أيضًا «أحد وعشرين» لا يخالف قول الجماعة عنه: «عشرين» أي من غير الوتر، وفي رواية عنه ـ كما سبق ـ: «عشرين ركعة والوتر» والوتر أقله ركعة.
ثانيًا ـ أنها موافقة لأحد الأوجه المروية عن محمد بن يوسف أعني الرواية الثالثة من طريق داود بن قيس وغيره عن محمد بن يوسف، عن السائب بن يزيد التي فيها «إحدى وعشرين» .
ثالثًا ـ أنها وردت آثار كثيرة تشهد للعشرين ركعة من غير الوتر، فمن ذلك:
1 ـ ما رواه الضّياء المقدسيّ في"الأحاديث المختارة" (40) من طريق أحمد بن منيع، أنا الحسن ابن موسى، نا أبو جعفر الرّازيّ، عن الرّبيع بن أنس، عن أبي العالية، عن أُبيّ بن كعب: أنّ عمر أمر أُبيًّا أن يصلِّي بالنّاس في رمضان، فقال: إنّ النّاس يصومون النّهار ولا يحسنون أن يقرؤوا فلو قرأتَ عليهم باللّيل؟ فقال: يا أمير المؤمنين، هذا شيءٌ لم يكن! فقال: قد علمتُ، ولكنه أحسن. فصلّى بهم عشرين ركعة.
أبو العالية اسمه رُفيع بن مهران الرِّياحيّ، ثقة يرسل، وروايته عن أُبَيّ في السنن.
والرّبيع بن أنس البصريّ ثم الخراسانيّ قال أبو حاتم: صدوق. وقال النسائي: ليس به بأس. وذكره ابن حبان في"الثقات" (41) وقال: الناس يتقون من حديثه ما كان من رواية أبي جعفر (يعني الرّازي) عنه؛ لأنّ في أحاديثه عنه اضطرابًا كثيرًا.
(يُتْبَع .. اقلب الصفحة)