فهرس الكتاب

الصفحة 44 من 350

وحلاوة الدنيا لجاهلها ... ومرارة الدنيا لمن عقلا

ومن قصار فصول ابن المعتز: العاقل لا يدعه ما ستر الله من عيوبه، يفرح بما أظهره الله من محاسنه. وله فصل يليق بهذا الباب في نهاية الحسن: العقل كالمرآة المجلوة يرى صاحبه فيها مساوىء نفسه فلا يزال في صحوه مهموما متعذر السرور، فإذا شرب صدىء عقله بمقدار ما يشرب، فإن أكثر منه غشيه الصدأ كله حتى لا تظهر له صورة تلك المساوىء فيفرح ويمرح، والجهل كالمرآة الصديئة أبدا فلا

يرى صاحبه إلا مسرورا أبدا نشطا قبل الشرب وبعده.

ومن قلائد المتنبي قوله:

ذو العقل يشقى في النعيم بعقله

وأخو الجهالة في الشقاوة ينعم [1]

قال أبو الفتح بن جني هذا كقولهم: ما سرّ عاقل قط. ولما عزل عمر بن الخطاب زيادا عن عمل كان يتولاه له، قال له زياد: يا أمير المؤمنين أمن عجز أو خيانة؟ فقال: لا من أحدهما، ولكني كرهت أن أحمل على الناس فضل عقلك. وكان الحسن البصري رحمه الله يقول: لو كان للناس كلهم عقول لخربت الدنيا. وقال آخر: لولا الحمقى لبطل العالم. وقال بعضهم: لو كان الناس كلهم عقلاء ما أكلنا رطبا ولا شربنا عذبا، يعني أن العقلاء لا يقدمون على صعود النخيل لاجتناء الرطب، ولا حفر الآبار لاستنباط الماء البارد العذب وينشد:

لما رأيت الدهر دهر الجاهل

ولم أر المغبون غير العاقل ... شربت خمرا من خمور بابل

فصرت من عقلي على مراحل

(1) ديوانه 630.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت