[قال الشيخ ابن بطة] يشرح هذه الأحاديث الطويلة بكلمتين في منتهى الاختصار، وهذا هو وضع السلف أنهم كانوا قليلي الكلام كثيري العمل، أما نحن فعلى العكس تمامًا، كلام كثير جدًا والعمل صفر.
[قال الشيخ: فقد علم الله عز وجل المعصية من آدم قبل أن يخلقه] ، وانتبه إلى قوله: قد علم، فهذا فيه إثبات مرتبة العلم.
ونحن قد قلنا: إن مراتب القدر أربع: مرتبة العلم، ومرتبة الكتابة، ومرتبة الإرادة والمشيئة، ومرتبة الخلق.
فانتبه إلى هذه المراتب، إن لم تحفظها وتلم بها وبأحكامها وبأدلتها ستضيع في باب القدر.
ومرتبة العلم، إي: إثبات العلم الأزلي لله عز وجل، وأنه علم كل شيء كان ويكون إلى قيام الساعة، فعلم ذلك من خلقه فكتبه في اللوح المحفوظ، فهو عنده تحت العرش، وفي الحديث: (أول ما خلق الله القلم، فقال: اكتب، قال: وما أكتب؟ قال: اكتب كل شيء كان ويكون إلى قيام الساعة، فجرى القلم بما هو كائن إلى قيام الساعة) وهذا قلم القدرة، فهذه هي المرتبة الثانية من مراتب القدر، وهي مرتبة الكتابة، التي كتبت على مقتضى علم الله عز وجل.
إذًا: المرتبة الأولى: العلم الأزلي، ولا نقول كما قالت القدرية: إن الله لا يعلم الأشياء إلا بعد وقوعها وبعد حدوثها، بل علمها في الأزل، فلما علمها الله عز وجل كتبها، ولا أقصد بقولي: (فلما) أنه لم يكن يعلم فعلم، إنما قصد الكلام الدارج.
ثم إن الله عز وجل جعل للعبد مشيئة وإرادة، والله سبحانه مشيئة وإرادة، وما تشاءون إلا أن يشاء الله، فجعل للعبد مشيئة ولله مشيئة: {تُرِيدُونَ عَرَضَ الدُّنْيَا وَاللَّهُ يُرِيدُ الآخِرَةَ} [الأنفال:67] ، فأثبت للعبد إرادة ولله تعالى إرادة، لكن العبد لا يريد إلا ما أراده الله، ولا يشاء إلا ما يشاؤه الله، بمعنى: أنه لا يقع من العبد عمل أو قول أو فعل أو حركة أو سكون إلا أن يأذن في خلقها وإيجادها الله عز وجل، وهذه هي المرتبة الرابعة التي تسمى: مرتبة الخلق والإيجاد، فلا يكون في ملك الله إلا ما أراد وقدر وشاء، لكن الأعمال التي تتم في الكون منها ما هو خير وطاعة موافق للشرع وموافق لمحبة الله ورضاه وأمره، ومنها ما وقع وهو شر ومعصية، والله تعالى هو الذي أذن فيه وفي وقوعه؛ لأنه لا يكون في الكون إلا ما أراد، فإما أن تكون إرادة شرعية مبناها على المحبة والرضا، فأنا الآن أصلي، فهل يمكن أن أصلي على غير مشيئة الله وإرادته؟ أي: هل للعبد أن يقول: أنا أصلي أربع ركعات شاء الله أم أبى؟ هل يقع منه ذلك؟ لا يقع منه ذلك، ولو أراد الله تعالى أن يميته في مكانه وقبل أن يتم كلامه لفعل سبحانه وتعالى.
فلا يضمن العبد أن يدخل في عمل أو أن يتكلم بقول أو أن يضمن حياته، ولا أن يضمن أيتم ذلك منه أم يخرص ويصم قبل أن يتم؟ ولذلك الإرادة الشرعية هي الموافقة للشرع، سواء كانت من الله عز وجل في أوامره التي أمر الله بها العباد، أو من العبد الذي تقرب إلى الله بفعل هذه الطاعات.
فنقول: هذا العبد يصلي، فهو قد أراد ما أراده الله شرعًا وقدرًا، والقدر هو القدر الكوني أو القدر الشرعي، فالله تعالى أراد أن يقع منه في الكون ما أراد شرعًا، وهو تحقيق الصلاة.
ونقول: إن الإرادة الكونية القدرية دون الشرعية تكون من العبد إرادة واكتسابًا، وتكون من الرب تبارك وتعالى إيجادًا وخلقًا، فالله تعالى هو الذي أذن في وقوع الكفر في الكون، ولو أراد الله تعالى أزلًا ألا يقع في الكون كفر لما وقع، وما استطاع أحد أن يكفر، حتى وإن أراد الناس الكفر لا يكفرون إلا بإرادة الله؛ لأنه لا يكون في ملك الله إلا ما أراد، لكن بعض الناس يخلط بين الإرادة الشرعية التي مبناها على المحبة والرضا الموافقة للشرع، وبين الإرادة الكونية القدرية، فالله تعالى أذن في هذا وأذن في ذاك، أذن في الشرعية لأنه أحبها ورضيها وأمر بها، وأذن في القدرية ومنها الموافق للشرع ومنها المخالف؛ والمخالف أذن فيه الله تعالى ابتلاء للعبد، حتى إذا تاب تاب الله عز وجل عليه، وإذا لم يتب فهو في مشيئة الله إن كان موحدًا، إن شاء عفا عنه وإن شاء عذبه، وإذا كان كافرًا اختار الكفر اختيارًا بإرادته، وهذا هو الذي يجاب به عن
السؤالهل الإنسان مسير أم مخير؟ فأنت تختار الطريق بإرادتك، ومن قبل قلنا: لو أن إنسانًا أمامه هدف، والموصل إلى الهدف طريقان: أحدهما: معبد، والآخر غير معبد، وقلنا له: اسلك أحد الطريقين فورًا، فإنه سيسلك الطريق المعبد الممهد بعيدًا عن الشوك والحجارة والطوب وغير ذلك، والذي سيوصله إلى الهدف بسرعة، وهذا هو اختيار العقل، إذًا فلم تختار طريق المعصية في حياتك وأنت تعلم أنها معصية، وأنها تؤدي إلى النار؟ ثم تقول: الله تعالى هو الذي قدر علي ذلك؟ لم لمْ تسلك هذا الطريق الممتلئ بالشوك وتقول: هو الذي قدر علي ذلك؟ إذًا أنت مختار مريد للمعصية، ووقعت منك بإذن من الله تعالى؛ لأنه لا يكون في ملك الله من خير أو شر إلا بإرادته وإذنه وخلقه وإيجاده، فالمعصية في باب الخلق والإيجاد لله عز وجل، وفي با