[وعن حذيفة رضي الله عنه] ، وهو صاحب أحاديث الفتن، وكان يحرص حرصًا تامًا على معرفة ما سيقع بين يدي الساعة، وما سيقع في هذه الأمة من فتن، فكان يسأل عليه الصلاة والسلام دائمًا عن ذلك،[قال: حدثنا النبي صلى الله عليه وسلم حديثين: رأيت أحدهما وأنا أنتظر الآخر، حدثنا أن الأمانة نزلت في جذر قلوب الرجال، والعلماء اختلفوا في الأمانة، فقال بعضهم: هي التكاليف الشرعية، وبعضهم يقول: هي الأمر والنهي، وبعضهم يقول: هي الدين كله.
والراجح أن الأمانة هي الدين كله، وأصل الدين الإيمان بالله عز وجل، والإيمان بالله هو الذي يدفع صاحبه إلى العمل الصالح، ولا بأس من جمع هذا كله في تفسير الأمانة هنا.
قال: [ (حدثنا أن الأمانة نزلت في جذر -أي: في أصل- قلوب الرجال) ] ، وذكر الرجال من باب التغليب، والأصل أن النساء يدخلن في هذا الخطاب.
قال: [ (ونزل القرآن، فتعلموا من القرآن وتعلموا من السنة) ] .
ولذلك السلف رضي الله عنهم كانوا يتعلمون الإيمان أولًا، فإذا نزل القرآن تعلموه، وتعلموا السنة فازدادوا بها إيمانًا، وهذا جاء صريحًا في حديث عبد الله بن عمر وفي حديث جرير بن عبد الله البجلي.
[ثم قال حذيفة: (ثم حدثنا النبي عليه الصلاة والسلام عن رفعها) ] .
إذًا: الحديثان هما: الأول: عن فضل نزول الأمانة، وأن ذلك كان في جذر قلوب الرجال، والكلام هذا رأيناه عيانًا، وهذا فيه إثبات خيرية وأفضلية أصحاب النبي عليه الصلاة والسلام.
والحديث الثاني: عن رفع الأمانة، أي: كيف ترفع من قلوب الناس، وهذا لم يره حذيفة، وإن كان حذيفة من عند نفسه بالغ أنه في نهاية عمره قد رأى ذلك، وآخر عمر حذيفة بلا شك أنه أقل في الفضل من أول عمره؛ لأن حذيفة كان يعيش مع النبي عليه الصلاة والسلام، وكان يعيش مع الخلفاء الراشدين فالأمر كان كله هناء وسعادة وإيمانًا، لكن بعد ذلك دخلت الفتن بمقتل عثمان رضي الله عنه، وبالحروب التي قامت في نهاية زمن الخلافة وغير ذلك وهذه كلها فتن.
ولذلك حذيفة تأثر تأثرًا شديدًا بما أدرك من فتن، فقال: كنت أبايع كل من لاقيت أي: إذا أردت أن أبيع وأشتري فأبيع وأشتري من أي أحد من غير أن أسأل عنه، لأنه أحد أمرين: لو كان مؤمنًا رده علي دينه ولن يغشني؛ ولو كان يهوديًا أو نصرانيًا رده علي ساعيه، والساعي هنا هو السيد والوالي.
أي: لو أنه باع من اليهود والنصارى وغشوه، فيستطيع أن يأخذ حقه مرة أخرى من السيد المسلم الذي هو ولي هذا اليهودي أو هذا النصراني.
قال: أما الآن فلا أبايع منكم إلا فلانًا وفلانًا، قيل له: هل الأمانة ترفع يا حذيفة؟ قال: نعم، ترفع حتى يقال للرجل ما أظرفه وما أعقله وما أجلده، وليس في قلبه مثقال حبة خردل من إيمان.
وهذا حديث مخيف، وأظن أنني خطبت عنه في جمعة على هذا المنبر.
قال: [ (ثم حدثنا عن رفعها، فقال: ينام الرجل النومة فتنزع الأمانة من قلبه، فيظل أثرها كأثر المجل) ] وهو الأثر الخفيف اليسير، أو اللون المخالف للون الأصلي.
قال: [ (كجمر دحرجته على رجلك فنفط، فتراه منتبرًا وليس فيه شيء) ] ، يقول: كما لو أتيت بجمرة فبدحرجتها على فخذك، لا شك أن هذا الموضع الذي دحرجت عليه الجمرة سينتفط ويعلو ويمتلئ ماء، هذا الماء لا ينتفع به ولا قيمة له، ولذلك قال: (كجمر دحرجته على رجلك فنفط) أي: فعلا وارتفع هذا الجلد وتكون تحته الماء، فيترك أثرًا كالمجل، [ (أو قال: كالوكت، ثم ينام الرجل النومة الثانية، فتقبض الأمانة من قلبه فيظل أثرها مثل المجل) ] قال في الأولى: كالوكت وهو أثر يسير، والمرة الأخرى قال: كالمجل وهو عظيم وشديد.
وضرب له مثلًا كالذي يأخذ الفأس ولا عادة له بهذا الفأس، لأنه منعم مترف حينما تعطيه الفأس وتقول له: شطب لي هذا الرصيف، ما الذي سيحصل؟ فربما يموت كمدًا من أول ما يبدأ الشغل، لكن حينما يبدأ يشتغل، فأول ما يخبط خبطتين بالفأس على الأرض تهش الجلود الداخلية وتتشقق وتحمر وتنزل دمًا، ويبقى منظر اليد كلها مشوهة، فهذا بلا شك أثر عظيم، فكذلك الإيمان ينزع من القلب شيئًا فشيئًا حتى لا يبقى في القلب إيمان.
فهكذا أصل نزول الإيمان كان في جذر قلوب الرجال، ولذلك أنتم تعلمون أن النبي عليه الصلاة والسلام قال: (ما من مولود إلا يولد على الفطرة -أي: فطرة الإسلام- فأبواه يهودانه أو يمجسانه أو ينصرانه) وفي رواية مسلم: (أو يشركانه) أي: يجعلانه مشركًا.
ولذلك سئل النبي عليه الصلاة والسلام عن أطفال المشركين؟ قال: (الله أعلم بما كانوا عاملين) أي: أنه سئل عن أطفال المشركين إذا ماتوا قبل البلوغ، فقال: (الله أعلم بما كانوا عاملين) ، وبعض النصوص قد وردت في أن أطفال المشركي