قال: [الحمد لله الأول القديم الذي لم يزل، الدائم الباقي إلى غير أجل، خلق الخلق بقدرته، حجة لنفسه، ودلالة على ربوبيته فإنه ليس كمثله شيء] .
وكما قلنا من قبل: منهج أهل السنة والجماعة في إثبات الكمال لله عز وجل على سبيل التفصيل لا الإجمال، أما نفي النقص عن الله تعالى فعلى سبيل الإجمال، إذا أردنا أن ننفي النقص عن الله عز وجل قلنا: {لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ} [الشورى:11] ، وإذا أردنا أن نثبت الكمال قلنا: {وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ} [الشورى:11] ؛ لأن الله تبارك وتعالى نفى وأثبت، نفى المشابهة، والمماثلة، والأنداد، والأضداد، وكل مشابهة بين الخالق والمخلوق، فقال عز وجل: {لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ} [الشورى:11] أي: ليس شيء مثيلًا له ولا شبيهًا به ولا كفؤًا ولا عدلًا لله عز وجل، فكل شيء مهما عظم هو دون الله عز وجل، لا يمكن قيام المشابهة والمماثلة بينه وبين الله عز وجل.
وإذا أردنا أن نثبت الكمال أثبتناه على التفصيل، فقلنا: {وَهُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ} [الشورى:11] ، {هُوَ الأَوَّلُ وَالآخِرُ وَالظَّاهِرُ وَالْبَاطِنُ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ} [الحديد:3] ، إلى غير ذلك من الآيات والأحاديث التي أثبتت الأسماء متعددة مسرودة تفصيلًا على الوجه اللائق بالله عز وجل من غير مشابهة سمعه لسمع المخلوقين، أو علمه بعلم المخلوقين، أو قدرته بقدرة المخلوقين، وقل في كل أسمائه وصفاته مثل ما قلنا في هذه الصفات أو الأسماء، فإثبات الكمال تفصيلًا لله، ونفي النقص إجمالًا عن الله هو منهج أهل السنة والجماعة.
ومنهج المعتزلة والجهمية عكس ذلك تمامًا يثبتون الكمال إجمالًا وينفون النقص تفصيلًا، فيقولون: ليس الله تعالى بطويل ولا قصير ولا عريض ولا نحيف ولا مصمت ولا مجوف وغير ذلك من أقوالهم الكفرية تعالى الله تعالى عن قولهم علوًا كبيرًا، وهذا لا يصلح أن يكون أسلوب مدح لآحاد المخلوقين.
أي: نفي النقص تفصيلًا عن المخلوقين غير مقبول، لو دخلت على عظيم من عظماء الدنيا وقلت له: أنت لست بالطويل ولا بالقصير ولا بالمصمت ولا المجوف ولا أنت كلب ولا حمار ولا خنزير، ولا أنت غبي ولا أحمق، لابد أنه سيقوم عليك؛ لأنه لا يقبل هذا منك، إنما يقبل منك المدح ابتداءً، إنما المدح عن طريق نفي النقص فلا شك أن هذا أسلوب غير مقبول، فما بالك بالله عز وجل ولله المثل الأعلى؟