المسألة الثالثة: أي عمل يكفر به المرء؟ هل يكفر المرء بمجرد المعصية؟
الجوابلا، لكن من مسائل الإجماع أن من ترك العمل بالكلية، أي: لم يصم، ولم يصل، ولم يزك، ولم يحج، ولم يفعل شيئًا من أوامر الإسلام، ويعبر عنه الإمام الحميدي في رسالة الاعتقاد: ومن ترك الخمس كفر، أي: أركان الإسلام الخمسة.
لكن لابد أن نفرق بين مسألتين في العمل: هل الكلام على جنس العمل أم أفراده وآحاده؟ فالصيام من أفراد العمل، الصلاة من أفراد العمل، الزكاة من أفراد العمل، الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر من أفراد العمل، الإتيان ببعض المأمورات من أفراد العمل، الوقوع في بعض المحظورات من أفراد العمل، فهل إذا قلنا: إن العمل من الإيمان، أو هو أصل في الإيمان بمعنى: أن الإيمان يزول بزواله ويوجد بوجوده؟ هل نقصد بذلك عملًا من الأعمال بعينه، أو نقصد بذلك جنس الأعمال؟ نقصد جنس العمل، أي: مجموع الأعمال، فإذا أتى إنسان بعمل يخالف الإيمان فلينظر إلى هذا العمل بعينه، هل هذا العمل داخل في أصل الإيمان، أو في الإيمان الواجب، أو الإيمان المستحب؟ فمثلًا: رجل سب الله تعالى، هل هذا العمل من أصل الإيمان، أو من الإيمان الواجب، أو من الإيمان المستحب؟ من أصل الإيمان، إذًا: إذا سقط فيه المرء لابد أن يخلع الإيمان من جذوره.
وبالتالي أنا عندما أقول: هل العمل شرط كمال أو شرط صحة؟ أتصح الإجابة بكلمة نعم أو لا؟ لا تصح، بل لابد من التفصيل؛ لأنه إذا كنت تسأل عن عموم العمل وعن جنس العمل فنقول: نعم جنس العمل شرط صحة في الإيمان، أما إذا كنت تسأل عن عمل بعينه -أي: من أفراد وآحاد الأعمال- فينظر إلى كل عمل على حدة، كما ضربت لك مثلًا بهذا الرجل الذي سب الله تعالى، إذ إنه بعد أن تحققت فيه الشروط وانتفت عنه الموانع يكفر؛ لأن هذا العمل الفرد من أعمال الإيمان الذي نقضه كان تعلقه بأصل الإيمان.
أيضًا: رجل وقع فيما حرم الله عز وجل، أو ترك أمرًا واجبًا من أوامر الله أو أوامر رسوله عليه الصلاة والسلام، فأقول: بالنظر إلى هذا العمل إتيانًا أو تركًا، هل هو من أصل الإيمان أو الإيمان الواجب أو المستحب؟ فإذا كان من الإيمان الواجب فأقول: إن نفي الإيمان في النصوص إنما هو متعلق بنفي الإيمان الواجب عنه، لا نفي لأصل الإيمان، فيكون المقصود بحديث: (لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن، ولا يسرق السارق حين يسرق وهو مؤمن) إلى آخر الحديث: نفي الإيمان الواجب.
بخلاف من سب الله، أو سب الرسول، أو سب الشريعة، فهذا يأتي على أصل الإيمان من القلب فيجعله هباء منثورًا، فيحتاج إلى دخول في الإسلام من جديد.
ولذلك لو أن واحدًا أخل بعمل من الأعمال المستحبة أو المندوبة وغيرها من أعمال العبادات أو الطاعات، فنقول: قد أخل بالإيمان المستحب الذي يعبر عنه العلماء بأنه الإيمان الكامل، ونفي الإيمان في الأعمال المستحبة إنما هو نفي للكمال لا نفي لأصل الإيمان.
والشاهد من هذا الكلام أنه لا يصح أن نقول: هل العمل شرط كمال أو شرط صحة في الإيمان؟ لأن هذا سؤال يحتاج إلى تفصيل.
وأكثر منه خطأً أن يجيب المفتي أو المسئول إجابة واحدة فيقول: العمل شرط صحة، أو العمل شرط كمال، هذه إجابة غير سديدة، بل السديد أن يقول للسائل: أتقصد بهذا السؤال جنس العمل أم آحاده؟ فإن كنت تقصد جنس العمل فجنس العمل أصل في الإيمان وركن من أركانه، وإذا ترك المرء العمل في الجملة كفر بذلك، أما إذا كنت تقصد آحاد العمل فلا شك أن آحاد العمل من الإيمان، لكن من آحاد العمل ما يكفر به صاحبه ومنه ما لا يكفر به صاحبه، بل يفسق أو يترك الكمال المستحب، يعني: يفوت على نفسه مرتبة الصديقين وغير ذلك.