قال: [قال أبو بردة بن أبي موسى الأشعري: لما قتل عثمان رضي الله عنه خرج محمد بن مسلمة] وهو رجل من كبار الأنصار ومن كبار الصحابة، [قال: خرج إلى البرية فضرب بها خباء، وقال: لا يشتمل علي مصر من أمصارهم حتى تنجلي بما تجلت] .
أي: حتى تنقشع هذه الغمة، ومقتل عثمان رضي الله عنه كان بلية ورزية، وأي رزية نزلت بالأمة، أن يقتل خليفة راشد، وهو ثالث الخلفاء الراشدين، وهو زوج ابنتي النبي صلى الله عليه وسلم، وله من المنزلة ما له، رجل تستحي منه الملائكة، وله من الفضل والعلم والورع والذكر والعبادة بل هو من المبشرين بالجنة صراحة.
قال النبي عليه الصلاة والسلام: (أبو بكر في الجنة، وعمر في الجنة، وعثمان في الجنة) وغير ذلك من فضائله رضي الله عنه، فكونه يقتل وعلى يد المصريين بتحريك من عبد الله بن سبأ اليهودي الذي زعم ظاهرًا أنه أسلم، وليس الأمر كذلك.
فخرج محمد بن مسلمة بعد مقتله وضرب لنفسه خباء في الصحراء، وقال: لا أدخل بلدًا قط حتى تنقشع هذه الغمة، مع أن ابن مسلمة قد بشر في غير ما نص منه عليه الصلاة والسلام أن الفتنة لا تضره.
يعني: لو بقي في المدينة -وهي محل مقتل عثمان بن عفان - لما كان داخلًا في الفتنة، أو متخوضًا فيها، ولكنه آثر أن يبتعد عن الفتنة كلها، فانظروا إلى موقف هذا الصحابي الجليل الفقيه العالم العابد؛ يهرب من الفتنة كالهروب من الأسد وزيادة.
أما نحن فبجهلنا وجرأتنا نرى الفتنة خامدة نائمة، فنكون أول من يوقظها، دائمًا نلج فيها، الواحد منا يسأل عن فتنة بعينها شرقًا وغربًا شمالًا وجنوبًا، حتى يدخل فيها برأسه.
كان لي أخ من ليبيا يحضر معنا منذ أعوام مضت في مسجد التوحيد لا يسألني إلا عن فتنة، ونصحته مرارًا، قلت له: يا فلان! أرجو أن تستغل بقاءك هنا، أرجو أن تطلب العلم، الطريق الذي أنت فيه ليس هو الطريق الصحيح السليم، وكم نصحته مرارًا حتى استبعد من البلاد، وذهب إلى بلد من بلاد أوروبا، وقد حدثني في الأسبوع الماضي رجل أتى من عنده، فقال: إنه فتن تمامًا، وترك الصلاة والصيام، لم يصم رمضان الماضي، وأخذ يشرب الخمر ويأتي النساء.
يا إخواني! سنن الله تبارك وتعالى الكونية لا تتبدل ولا تتغير، الله تعالى إذا أمرنا فخالفناه فإن جنود الله كثيرة، يسلط عليك جندًا من جنده يهلكك وأنت لا تدري.
فهذا اختار طريقًا ليس هو طريق الطلب، وليس هو طريق العلم؛ فعاقبه الله تعالى بأن فتنه في دينه، كيف لا وقلوب العباد بين أصبعين من أصابع الرحمن يقلبها كيف يشاء؟! هذا نموذج من نماذج متعددة كثيرة في مصر وفي غيرها، الذي يتنكب عن شرع الله لا بد أن تنزل به عقوبة آجلًا أو عاجلًا، وهو يتأول هذه العقوبة ويخفى عليه أنها نزلت من السماء بسبب انحرافه.
وصدق النبي عليه الصلاة والسلام الذي قال: (لن يشاد الدين أحد إلا غلبه) .
الذي يتنطع في الدين لا بد أن يرجع إلى الطريق الجادة والاستقامة إذا كان صادقًا موفقًا مسددًا، وإلا فلا بد أن ينقطع به الطريق، ويضل السبيل.
قال محمد بن مسلمة: (لا يشتمل علي مصر من أمصارهم حتى تنجلي هذه الفتنة بما تجلت) ، أي: بما نزلت به من بلاء.
قال: [وعن حذيفة قال: (ما أحد تدركه الفتنة إلا وأنا أخافها عليه إلا محمد بن مسلمة؛ فإني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: إن الفتنة لا تضره) ] .
كأنها خاصية لـ محمد بن مسلمة رضي الله عنه.
قال: [وعن ابن ثعلبة قال: سمعت حذيفة يقول: إني لأعرف رجلًا لا تضره الفتنة: محمد بن مسلمة، قالوا: فخرجنا من الكوفة فإذا فسطاط -أي: خيمة- خارج منها، وإذا فيه محمد بن مسلمة، فأتيناه فسألناه عن ذلك، فقال: ما أريد أن يشتمل علي شيء من أمصارهم] ، أي: لا أريد أن أساكن أهل الفتنة في ديارهم، ولا في بلادهم، [حتى تنجلي الفتنة التي دخلوا فيها] .