عند هذه النصوص: (قتال المسلم كفر) ، أريد أن أعرف: هل هذا الكفر اعتقادي؟ إذا كان اعتقاديًا كفر به صاحبه وخرج من الملة والإسلام، أما إذا كان عمليًا فينظر: إذا كان من العمل الذي إذا ارتكبه العامل أخرجه من الإسلام، أم أنه من الأعمال التي لها مكفرات وحدود حدها الشرع كحد الزنا والسرقة والقتل وشرب الخمر وغير ذلك من الحدود لم يخرج من الإسلام؛ لأن بعض الناس انطبع في ذهنه أن الكفر الاعتقادي مخرج من الملة، وهذا كلام سديد، أما الذي ليس كذلك فهو ما انطبع في أذهانهم أن الكفر العملي مطلقًا لا يخرج به صاحبه من الملة، وهذا هو الخطر، بل هذا بيت القصيد بين أهل السنة ومن عداهم، فغير أهل السنة يعتبرون أن الكفر العملي مطلقًا لا يخرج به صاحبه من الملة، ويقولون: هو كفر عمل -أي: كفر دون كفر- ليس هو الكفر الذين تذهبون إليه المخرج من الملة.
والحقيقة أن الكفر العملي لابد أن ننظر فيه إلى نوع العمل الذي انتهشه وارتكبه العامل، فإن كان متعلقًا بالدين نصًا أو إجماعًا فإن الكفر العملي حينئذ معناه بالخروج من الملة، وإذا كان متعلقًا بالإيمان الواجب، بالحلال والحرام والواجبات في الإسلام وغير ذلك، فلاشك أن نفي الإيمان هنا إنما هو نفي للإيمان الواجب وليس الكامل، أما الكامل فهو المستحبات والمندوبات وغير ذلك، وهذا ما قرره شيخ الإسلام ابن تيمية في المجلد السابع، فقد خصص هذا المجلد كله من أوله إلى آخره فيما يتعلق بقضايا الإيمان والكفر، وهذا الكتاب لا يشبع منه القارئ، وهو مجلد متعلق بالإيمان ومسائل الإيمان، لا يمل منه طالب العلم أبدًا؛ لأنه كلام أحلى من العسل، كلام شيخ الإسلام ابن تيمية، فضلًا عن تلميذه البار ابن القيم عليه رحمة الله في غالب كتبه، إذا تكلم عن مسائل الاعتقاد فإنه يقرر ما سمعتموه الآن، وهو ما تلقاه عن شيخ الإسلام ابن تيمية.
إذًا: الذي يعنيني في هذا الأصل: أن تقسيم الكفر إلى اعتقادي وعملي لا يلزم منه أن العملي لا يكفر به صاحبه، بل لابد من النظر إلى أصل هذا العمل، فإذا كان متعلقًا بأصل الدين فلابد أننا سنحمل نفي الإيمان هنا على نفي الإيمان الأصلي، وإذا كنا نقول: إن العمل عملان: عمل يكفر به صاحبه؛ وعمل لا يكفر به صاحبه، فلا شك أن العمل الذي لا يكفر به صاحبه ليس متعلقًا بأصل الديانة، وإنما هو متعلق بأصل الإيمان.
مثال: الذبح لغير الله عمل، فإذا كان الكفر العملي لا يخرج به صاحبه مطلقًا من الملة، إذًا: الذبح لغير الله ليس كفرًا مخرجًا من الملة، وكذلك السجود لغير الله، فإذا قلنا: إن الكفر العملي مطلقًا لا يخرج به صاحبه من الملة يلزمنا أن نقول: إن من سجد لغير الله لا يكون كافرًا، وأنتم تعلمون يقينًا أن من سجد لغير الله كفر وخرج من الملة مع أنه عمل، وكذلك من سب الله أو سب الرسول أو سب الشرع أو سب الدين، أو استهزأ بآيات الله أو غير ذلك؛ كل هذا من الأعمال أو الأقوال، ومع هذا فقد أجمعت الأمة أن من ارتكب شيئًا من ذلك خرج من دائرة الإسلام ودخل في حظيرة الكفر.
إذًا: الذي يعنيني في هذا الأمر أن تقسيم الكفر إلى اعتقادي وعملي تقسيم سديد وقال به كثير من السلف، أما اعتقاد أن الكفر العملي هو الذي لا يخرج به صاحبه من الملة فلا، فمن العمل ما يكفر به صاحبه -وقد ذكرت لكم أمثلة- ومن العمل من لا يكفر به صاحبه، والنبي عليه الصلاة والسلام يقول: ليس منا من فعل كذا وكذا وكذا، ولفظ (ليس منا) قد ورد في أحاديث كثيرة: قال عليه الصلاة والسلام: (ليس منا من خبب امرأة على زوجها) (خبب) بمعنى: أفسد.
وقال عليه الصلاة والسلام: (ليس منا من غير منار الأرض) ، أي: علامات وإشارات الأرض والدلالات على قوارع الطرق أو غير ذلك، فقوله عليه الصلاة والسلام: (ليس منا) المقصود به العملي أم الاعتقادي؟ العملي، وهذا العمل لا يخرج صاحبه من الملة.
عندما يقف شخص عند كبري (المنصورة) ويجد لافتة فيها سهم إلى جهة الغرب يؤدي إلى المنصورة، وسهم إلى الجنوب يؤدي إلى الإسكندرية فقام هذا الشخص بتغيير هذه اللافتة؛ فأصبح طريق الإسكندرية هو طريق المنصورة والعكس، هذا الذي قال عليه الصلاة والسلام: (ليس منا من غير منار الأرض) ، فهل قوله: (ليس منا) يعني أن من عمل ذلك كفر وخرج من الملة؟ هل (ليس منا) نفي للإسلام والإيمان، أو نفي لأخلاق النبوة وآدابها، وأخلاق المسلمين وما هم عليه من التزام أوامر الشرع والانتهاء عن نواهيه وغير ذلك؟ فهذا بلا شك من العمل الذي لا يكفر به صاحبه، خلافًا للأعمال السابقة التي ذكرتها، وقد انعقد الإجماع فضلًا عن هذا النص على أن من ارتكب شيئًا منها خرج من الملة.
ونقل غير واحد الإجماع كـ ابن حزم على أن الكفر يكون بالقول والفعل كما يكون بالاعتقاد، لا خلاف بين أحد من الناس أن الكفر يكون بالاعتقاد، كما أنه لو قال كفرًا متعمدًا غير جاهل ولا متأول ولا مكره كفر بالله.
يعني