قال: [وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (الحياء شعبة من الإيمان) ] ، كلام جميل.
والحياء نوعان: حياء مشروع، وحياء غير مشروع، فلو قيل لامرأة متبرجة: البسي خمارًا استري نفسك قليلًا، تقول لك: أنا أستحي من الناس، ماذا أقول للناس؟ لو رآني الناس مرتدية النقاب أو الخمار فماذا أقول لهم؟ أين أذهب منهم؟ أنا ممكن في الحي أن أخرج باللباس العادي وأضع الخمار معي في الشنطة، فإذا خرجت من الحي لبسته! فهل هذا حياء؟ لا، هذا جبن وضعف وخور، فضلًا عن كونه معصية لله عز وجل ولرسوله.
كذلك الرجل الذي يستحي أن يتزيا بزي الإسلام في وجهه أو في بدنه، يستحي أن يلبس عمامة، أو يلبس طربوشًا، أو يلبس ثوبًا، مع أن اللباس هو دلالة على منهجية معينة، هذه المنهجية أولى من منهجية من تجلس معه، إذًا: فلم الحياء؟ إذا كان الشرع قد أذن لنا بأوصاف في الزي دون تحديد زي بعينه، يعني: لو نظرت إلى هذا النقاب تجده غير نقاب الحجاز، تجده غير النقاب في سوريا، تجده غير النقاب في بلاد المغرب، إذًا: لكل امرأة من هذه البلاد نقاب يخصها، فلو أنك رأيت امرأة مصرية في المغرب تلبس النقاب عرفت أن هذه مصرية في بلاد المغرب؛ لأنها ملتزمة بزيها الذي اقتنعت بأنه الزي الشرعي، فهل تأثم إحدى هؤلاء النساء؟
الجوابلا تأثم ما دامت قد حققت شروطًا معينة اتفق عليها أهل العلم في زيها، ولا يلزم المرأة أن تلبس النقاب المصري، بل إذا لبست النقاب الحجازي أو المغربي أو الشامي تكون متبعة، والمهم تحقق الشروط التي اشترطها الشرع في لباس الرجل والمرأة، فإذا كان ذلك فهذا زي مشروع، وقلت هذه المقدمة لأن بعض الناس يستحي -بزعمه- أن يلبس الزي الأزهري، مع أن الزي الأزهري مشروع ولا بأس به؛ خاصة وأنه صار علامة ودلالة على أهل العلم، فالناس أول ما ينظرون إلى شخص يلبس عمامة حمراء أو طربوشًا أحمر، ويلبس جلابية -حتى وإن كان أجهل الجاهلين، حتى ولو لم يكن أزهريًا- يسرعون إليه يستفتونه في كل شيء؛ لأنه قد عرف عند الناس أن هذا الزي علامة ودليل على أهل العلم.
إذًا: هذا الزي أخذ وقتًا معينًا، إذا قلنا إن المسبحة مشروعة، وقد جاءت أدلة كثيرة على مشروعيتها، ومن قال: بأنها غير مشروعة رجع عن قوله هذا إلى مشروعيتها، لكن بقيت الكراهة التنزيهية في استعمال المسبحة مع مشروعيتها؛ لأنها صارت علامة على أهل البدعة، يعني: صارت علامة على التصوف والدروشة والابتداع، فهي وإن كانت في أصلها مشروعة، لكن لما صارت علامة على أهل البدع كره العلماء استعمال هذه المسبحة.
ولذلك نهينا أن نتشبه باليهود والنصارى، فأمرنا بإعفاء اللحى، مع أنهم الآن يطلقون لحاهم، فهل نقول: مخالفة لليهود والنصارى سنحلق لحانا؟! لا؛ لأن المخالفة فيما اختصوا به دوننا، كذلك اليهودي عنده طاقية سوداء يضعها على زاوية من رأسه جهة اليمين أو الشمال، فأنا أقول: أصل الطاقية مشروع، بل مسنون، ومن الذي يمنعني أن ألبس هذه الطاقية؟! افرض أن طاقية وقعت من يهودي وهو ماش أو راكب على الباص، فقمت أنا ولبستها وجعلتها في زاوية من رأسي، الذي يراني ماذا يقول عني إنني يهودي، صح أو لا؟ لأن لبس هذه الطاقية بعينها على نحو معين أو بهيئة أو كيفية معينة دليل على معتقد اللابس، والصلة بين المظهر والجوهر وثيقة، يعني: العلاقة بين الظاهر والباطن وثيقة جدًا، فتجد مثلًا الذي يلبس زي النبي عليه الصلاة والسلام، أو يتمثل الزي الشرعي يتفاخر بذلك، أو يتعالى ويرتفع بإيمانه على هذا الواقع المر الباطل الذي يراه من حوله، ويشعر بقوة الإيمان، كما أن الجندي في المعركة وهو يلبس زي الجندية والعسكرية يشعر بالقوة والفتوة، كما إذا أتيت الآن بواحد وهو لابس للجلابية مثل حالتي هذه وتعطيه بندقية وتقول له: ادخل الصف وحارب، فسوف يقع مرة بالكل ثم يقع على وجهه، ومرة على ظهره، ومرة على جنبه، والعساكر الذين يلبسون زيًا عسكريًا لا بد أنهم سيسبقونه، نفس الروح التي يشعر بها الجندي لا يشعر بها من لم يتجند، أو لم يشارك في حروب المجاهدين، وهكذا العلاقة القوية بين الظاهر والباطن.