قال:[وعن عطاء بن أبي رباح قال: سألت الوليد بن عبادة بن الصامت: كيف كانت وصية أبيك حين حضره الموت؟ فقال: دعاني فقال: يا بني! اتق الله.
واعلم أنك لن تتقي الله ولن تبلغ العلم حتى تؤمن بالله وحده].
أول شيء يا بني اتق الله، واعلم أنك لن تتقي الله ولا تعلم حقيقة الإلهية إلا إذا آمنت بالقدر خيره وشره.
قال:[يا بني! اتق الله، واعلم أنك لن تتقي الله، ولن تبلغ العلم بالله حتى تؤمن بالله وحده، وتؤمن بالقدر خيره وشره.
قلت: يا أبت! كيف لي إلى الإيمان بالقدر خيره وشره؟ قال: تعلم أن ما أصابك لم يكن ليخطئك -تعلم أن ما قدره الله عليك لا بد أنه واقع بك مهم حاولت دفعه- وأن ما أخطأك لم يكن ليصيبك، هذا بالقدر]أي: أن تؤمن إيمانًا جازمًا أن ما قدره الله عليك واقع بك، وما صرفه الله عنك لا يمكن لأهل الأرض جميعًا أن يلحقوه بك، والذي يؤمن بالقدر ويعلم أن كل شيء من عند الله سواء كان خيرًا أو شرًا؛ يستريح جدًا.
فالإيمان بالقدر هو الذي يجعل المرء شجاعًا في كل ميدان، وذلك إذا كان يعتقد اعتقادًا جازمًا أن أهل الأرض لو اجتمعوا على أن يضروه بشيء لا يضرونه إلا بشيء هو مكتوب أزلًا، ولا يمكن صرفه؛ ولذلك كثير من الناس يتودد وينافق ويداهن ويماري ويرائي حتى يصرف بلاءً ظن أنه واقع به، ولا ينصرف هذا البلاء أبدًا، فمع فقدان الدين بالنفاق والرياء وغير ذلك يقع به ما قد قدره الله، ومع الصدق واليقين والتوكل على الله عز وجل يفاجأ أن العزة في هذا الموقف كانت مكتوبة له قبل ذلك، ولعل من علم ذلك أو عاش ذلك في بعض مواقفه يشعر بصحة ما قلت، وهذا لا يحتاج إلى تجارب، والإيمان بالله لا يحتاج إلى تجارب، وإنما الإيمان بالله يكون ابتداءً قبل أي تجربة، أؤمن بأن القدر كله من عند الله: أن الخير من عند الله، وأن الشر من عند الله، وأن الله تعالى هو النافع الضار، ولا يمكن لأحد قط هددك بضر أن يوقع هذا الضر بك إلا إذا كان مكتوبًا قبل خلق السموات والأرض، وإذا وعدك واعد بجلب نفع إليك لا يمكن له ذلك إلا إذا كان مكتوبًا لك قبل أن يخلق الله السموات والأرض، فإذا كان كل ذلك بيد الله، وأن الخلق جميعًا في قبضة الله، وهم ملك الله تعالى؛ إذًا: فلم تحرص على الدنيا؟! ولم تخاف من ذي سلطان وهو نفسه في قبضة الله عز وجل، وتحت سلطان الملك الجبار سبحانه وتعالى؟! أنت وهو سواء، وربما تكون أنت أقرب إلى رحمة الله منه، بل هو المهدد بالعذاب والنكال والانتقام، إذًا: فلم تخالف أنت وأنت صاحب الحق؟! لا بد للمسلم أن يكون له عزة في كل موقف، وينبغي لكل منا أن يثبت موقف عزة لله عز وجل في موقف يظن فيه أنه مهان، ولا بد أن يستعمل المؤمن دائمًا إيمانه وإسلامه، ولا تجعل إيمانك دائمًا في الوحل والرغام والطين، بل لا بد في كل موقف يستحق الاستعلاء بالإيمان أن تستعلي بإيمانك على هذا الواقع الباطل، وعلى هؤلاء المبطلين الذين يوجهون أكاذيبهم فيستعلون عليك، وهم والله لا يملكون شيئًا منك: لا في روحك، ولا في بدنك إلا ما قد قدره الله عز وجل عليك، ولو أراد أحد أن ينزل بك العذاب وينتقم منك أشد الانتقام، فلا يقدر على شيء من ذلك، فإذا كنت تؤمن بهذا إيمانًا جازمًا فسر قُدُمًا على بركة الله عز وجل، واعلم أن الأرض كلها لو اجتمعت على أن يضروك ما استطاعوا إلى ذلك سبيلًا، ولو اجتمع العالمون على أن ينفعوك بشيء ما نفعوك إلا بشيء قد كتبه الله لك، فكل أمر مقدر، وما عليك إلا أن تكون ناصرًا لدينك.
واعلم أن هؤلاء جميعًا كلهم في قبضة الله عز وجل، وتحت سلطانه وسيطرته وقهره وملكوته وجبروته سبحانه وتعالى، فهم مهددون بالعذاب قبل أن يهددوك، ولو كان لهم شيء فبقدر، ولو كان لهم سلطان على شيء منك فإنما سلطانهم على بدنك، ومعنى (سلطانهم على بدنك) : أنهم لا يملكون منك إلا السوط الأول، وما دون ذلك لا تشعر به، وهل تستعظم على الله عز وجل أن تنال في سبيله سوطًا؟ لا والله، كل ذلك قليل في حق الله وجنب الله.