قال: [وأما الكلام عن القدر فعلى وجهين كذلك] ، فقد بينا الوجهين في النجوم والوجهين في الصحابة، يبقى أن نبين الوجهين في القدر.
قال: [فالقدر الواجب علينا علمه والتصديق به والإقرار بجميعه أن نعلم أن الخير والشر من الله -هذا الذي يجب علينا علمه في باب القدر الذي قد ورد به النص في الكتاب والسنة- وأن الطاعة والمعصية بقضاء الله وقدره، وأن ما أصابنا لم يكن ليخطئنا، وما أخطأنا لم يكن ليصيبنا، وأن الله خلق الجنة وخلق لها أهلًا، علمهم بأسمائهم وأسماء آبائهم قبل أن يخلقهم، ووفقهم لأعمال صالحة رضيها سبحانه، وأمرهم بها؛ فوفقهم لها وأعانهم عليها وشكرهم بها، وأثابهم الجنة عليها] .
يعني: الأعمال سبب، لكن دخول الجنة بفضل الله عز وجل منه ورحمة.
قال: [وخلق النار وخلق لها أهلًا أحصاهم عددًا، وعلم ما يكون منهم، وقدر عليهم ما كرهه لهم، خذلهم بها وعذبهم لأجلها غير ظالم لهم، ولا هم معذورون فيما حكم عليهم به] .
يعني: ليس لهم عذر؛ لأن الله تعالى أرسل لهم الرسل وأنزل عليهم الكتب، وجعلهم مكلفين مميزين عاقلين.
قال: [فكل هذا وأشباهه من علم القدر الذي لزم الخلق علمه، والإيمان به والتسليم لأمر الله وحكمه وقضائه وقدره: {لا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ} [الأنبياء:23] ]، هذا الذي يجب علينا الإيمان به في باب القدر.
قال: [وأما الذي يحرم علينا الخوض فيه في باب القدر هو أن نقول في باب القدر: كيف ولم] ، كأن نقول: لم خلق الله إبليس؟ والله تعالى قبل أن يخلقه يعلم أنه رأس الشر فلم خلقه إذًا؟ هذا لا يحل لنا أن نتوجه إلى الله تعالى بالسؤال عنه.
قال: [كيف ولم وما السبب؛ لأن القدر هو سر الله تعالى المخزون وعلمه المكتوم، الذي لم يطلع عليه ملكًا مقربًا ولا نبيًا مرسلًا، وحجب العقول عن تخيل كنه علمه، والناظر فيه كالناظر في عين الشمس -الناظر في القدر كالناظر في عين الشمس- كل ما ازداد فيه نظرًا ازداد فيه تحيرًا، ومن العلم بكيفيتها بعدًا، فهو التفكر في الرب عز وجل: كيف فعل كذا وكذا؟ ثم يقيس فعل الله عز وجل بفعل عباده، فما رآه من فعل العباد جورًا يظن أن ما كان من فعل مثله جور، فينفي ذلك الفعل عن الله، فيصير بين أمرين: إما أن يعترف لله عز وجل بقضائه وقدره، ويرى أنه جور من فعله، وإما أن يرى أنه ممن ينزه الله عن الجور فينفي عنه قضاءه وقدره] .
فينفي ذلك الفعل عن الله يقول: ليس ممكنًا أن الله يعمل هكذا؛ لأن هذا ظلم؛ لأنه لو كان من عند خلقه لكان ظلمًا.
يعني: يقول مثلًا: الله تعالى يلقي الكافر في النار وهو الذي قدر عليه الكفر أولًا فكيف يعذبه آخرًا؟ قال: ولو أن ملكًا من ملوك الدنيا هو الذي استدرج عبيده إلى الوقوع في الخطأ والبعد عن الصواب ثم عاقبهم على ذلك لكان هذا منه ظلمًا، يقيسون فعل العبد على أفعال الله عز وجل.
يقولون: الله تعالى خلق إبليس وهو يعلم أنه رأس الشر ثم يعذبه بعد ذلك، هذا من الظلم؛ لماذا وقعوا في هذا؟ لأنهم قاسوا أفعال الله على أفعال العبيد.
والمعلوم أن الله تعالى واحد في أفعاله: {لا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ} [الأنبياء:23] ، هذا الذي حدا بالقدرية إلى الكفر بالله عز وجل: قياس أفعال الخالق على أفعال المخلوق.