قال ابن أبي العز الحنفي شارح الطحاوية: يجب أن يكون العبد خائفًا راجيًا -وهذا أمر واجب ليس مندوبًا ولا مستحبًا- فإن الخوف المحمود الصادق: ما حال بين صاحبه وبين محارم الله.
فهذا هو الخوف الحقيقي، وليس الخوف أنك تخاف ثم تترك الصلاة، إنما الخوف الحق هو الذي يحملك على طاعة الله عز وجل.
قال: فإذا تجاوز ذلك خيف منه اليأس والقنوط.
أي: الخوف الحقيقي هو الذي يحول بينك وبين معاصي الله عز وجل، فمثلًا: لو أن امرأة اعترضتك ذات منصب وجمال، فقلت: إني أخاف الله، فهل هذا هو الخوف الحقيقي أم أنه كذب؟ هذا هو الخوف الحقيقي.
وخوف يوسف عليه السلام لما اعترضته امرأة العزيز كان خوفًا حقيقيًا.
قال: والرجاء المحمود: رجاء رجل عمل بطاعة الله على نور من الله.
أي: أنه عمل أولًا بطاعة الله، ولم يقل: والله أنا أملي في الله أن يغفر لي كبير جدًا، فإذا سألته عن العمل يقول لك: والله أنا لا أصلي، وفي شهر رمضان أدخن في النهار! فإذا قيل له: يا فلان! اتق الله، يقول لك: أنت ليس لك علم بمقدار رحمة الله، يا سلام! وهل رحمة الله قالت لك: أن تترك الفرائض والأركان؟ قال: والرجاء المحمود: رجاء رجل عمل بطاعة الله على نور من الله، فهو راج لثوابه، أو رجل أذنب ذنبًا ثم تاب منه إلى الله فهو راج لمغفرته، قال الله تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا} [البقرة:218] ، أي: أول شيء حققوه هو الإيمان، {إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَاجَرُوا وَجَاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أُوْلَئِكَ يَرْجُونَ رَحْمَةَ اللَّهِ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ} [البقرة:218] ، فهم لم يؤمنوا فقط، بل بعد أن آمنوا هاجروا وجاهدوا، والهجرة عمل، والجهاد عمل، إذًا هم ضموا إلى الإيمان العمل الذي هو مقتضى الإيمان، وأجازوا الإيمان، أما إذا كان الرجل متماديًا في التفريط والخطايا والذنوب والمعاصي، يرجو رحمة الله بلا عمل، فهذا هو الغرور والتمني والرجاء الكاذب.
إذًا الواحد لا يقول: أنا راج إلا بعد تقديم العمل أولًا.
قال أبو علي الروذباري رحمه الله: الخوف والرجاء كجناحي الطائر، إذا استويا استوى الطير وتم طيرانه.
أي: أن الخوف والرجاء كجناحي الطائر إذا استويا، كأن يكون جانب الرجاء مثلًا (70 %) ، والخوف (70 %) ، وإذا حقق جانب الرجاء على أعلى درجاته (100 %) ، وحقق جانب الخوف (100 %) ، فهذه منزلة الأنبياء والمرسلين، وقل أن يصل عبد من العباد إلى هذه المنزلة، لكن المرء يتعبد بالخوف والرجاء، فيغفل ويسهو عن عذاب الله أحيانًا، وعن رحمة الله أحيانًا، ولذلك أنتم تعلمون حديث حنظلة لما قال لـ أبي بكر الصديق رضي الله عنه: نافق حنظلة، فقال له: وما ذاك؟ قال: نكون بين يدي النبي عليه الصلاة والسلام كأننا نرى الجنة والنار رأي العين، فإذا رجعنا إلى دورنا وعافسنا الأزواج والضيعات، نسينا ذلك.
فظن أن غفلته عن ذكر الجنة والنار في انشغاله المباح بأعراض الدنيا شعبة من شعب النفاق، فقال أبو بكر: وأنا مثل ذلك.
وتعال بنا نذهب إلى المعلم الكبير النبي عليه الصلاة والسلام لنقص عليه هذه القصة، فلما ذهبا إليه وأخبراه بما كان من الإيمان، قال عليه الصلاة والسلام: (لو دمتم على ذلك لصافحتكم الملائكة) ، وهذا شيء جميل جدًا، لكن هل غفل النبي عليه الصلاة والسلام عن الجنة والنار للحظة واحدة؟
الجوابلا.
ولذلك كان كثيرًا ما يقول: (لو تعلمون ما أعلم لضحكتم قليلًا ولبكيتم كثيرًا) ، فمصدر الضحك رحمة الله عز وجل، ومصدر البكاء عذاب الله عز وجل، وهذا تأصيل علمي لقاعدة استواء الرجاء والخوف، وأنهما يمثلان الجناحين للطائر أو السائر إلى ربه، ولا يصح من العبد أن يعبد الله بجناح واحد، وهو جناح الرجاء، أو بجناح الخوف.
قال: الخوف والرجاء كجناحي الطائر إذا استويا استوى الطير وتم طيرانه، وإذا نقص أحدهما وقع فيه النقص، وإذا ذهبا صار الطائر في حد الموت.
أي: إذا ذهب الخوف والرجاء من قلب العبد فإنه هو والموت سواء.
قال: وقد مدح الله عز وجل أهل الخوف والرجاء فقال: {أَمَّنْ هُوَ قَانِتٌ آنَاءَ اللَّيْلِ سَاجِدًا وَقَائِمًا يَحْذَرُ الآخِرَةَ وَيَرْجُوا رَحْمَةَ رَبِّهِ} [الزمر:9] ، وقال تعالى: {تَتَجَافَى جُنُوبُهُمْ عَنِ الْمَضَاجِعِ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ خَوْفًا وَطَمَعًا} [السجدة:16] ، فالرجاء يستلزم الخوف، ولولا ذلك لكان أمنًا، والخوف يستلزم الرجاء، ولولا ذلك لكان قنوطًا ويأسًا، وكل أحد إذا خفته هربت منه إلا الله تعالى فإنك إذا خفته هربت إليه، فالخائف هارب من ربه إلى ربه.
لأن الواحد إذا أراد أن يهرب من ظالم يذهب إلى رئيسه، ثم إلى الرئيس الأعلى، ثم الأعلى، ثم الأعلى، حتى إذا انتهت أسباب اللجوء إلى من يمكن أن يدافع عن حقه لا بد أن يلجأ المرء إلى الذي لا يخاف وهو سبحانه وتعالى، فكل إنسان يهرب من الظالم