قال: [عن عمر السعدي قال: كان جرير يحدث عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (إذا أبق العبد لم تقبل له صلاة، وإن مات مات كافرًا) ] ، لكن يجب أن نفرق بين العبد والأجير، فمرة كان هناك شخص يبني بيتًا ثم هرب منه الصانع، فجاء الرجل وهو غضبان إلى المسجد يقول: أريد فلانًا، وهو في المسجد موجود معنا، فقلت له: لماذا أنت غاضب؟ قال: إنه عبد آبق، تركني منذ خمسة وعشرين يومًا، ولم يأت لينهي عمله، وتركني وذهب يعمل عند هذا يومين وهذا يومين وهذا يومين، قلت: صحيح هو مقصر في العمل، ويحتاج إلى ضرب على رأسه، لكن التوصيف الفقهي الذي تقوله ليس صحيحًا، فالأجير يأخذ أجرة، والعبد لا يأخذ أجرًا، وهذا هو الفارق بين العبد وبين الأجير، فلو قال السيد لعبده: ابن لي هذا الحائط فهو ملزم ببنائه، والسيد ليس ملزمًا بأن يعطيه أجرًا، فقال الرجل: أحد المشايخ قال لي لما أخبرته القصة: قال النبي عليه الصلاة والسلام: (إذا أبق العبد من سيده فمات على ذلك مات كافرًا) ، وأنا والله -يا شيخ- لا أخفي عنك أني جئت لأقتله على اعتبار أنه كافر، وهذا والله ما حدث، لتعلموا ماذا في الأمة، قلت له: وأنت جئت لتقتله بيدك؟ هذا رجل صنائعي وأنت رجل لست قويًا، قال: من الذي قال لك ذلك؟ وأخرج لي شيئًا كأنه سيقتل به جملًا وليس شخصًا، قلت له: أنت أتيت بقوة، قال: ومعي كذا كذا، ثم جلس حتى هدأ، وكان الصنائعي يسمع هذا الكلام كله، فقال لي: كثر الله خيرك يا شيخ! هل أنت متأكد أنني لست آبقًا؟ فحتى هو أيضًا متشكك هل هو آبق أم لا؟ فالعبد الآبق هو الهارب، والأبوق أو الإباق: هو الهروب.
وهذا يدلنا على حكمة الإسلام، وأن الإسلام خاطب القلوب والعقول، ولو لم يكن هناك أي عقوبة دنيوية أو أخروية على الإباق والهروب؛ لكان كل عبد قد هرب من سيده وذهب إلى أي بلد آخر وجلس فيه، ولكن الإسلام خاطبه وقال له: لو أبقت فيوم القيامة سوف تدخل النار.
فالعبد يجلس مع سيده مراقبة لله عز وجل، والإسلام يريد قلوبًا وعقولًا نظيفة تتعامل معه، ليس مثل عقل مصطفى محمود وغيره، فهذه العقول لا تصلح مع الإسلام أبدًا، فالإسلام يحتاج إلى قلوب وعقول تقول لأوامر الله: سمعنا وأطعنا، وإن خفيت حكمة الأمر والنهي على هذه العقول والقلوب؛ لأن الإسلام هو الاستسلام والإذعان لأوامر الله تعالى، كإذعان العبد لسيده والمريض بين يدي الطبيب، والطفل بين يدي أمه.
واليوم يخرج علينا كل يوم إناء ينضح بما فيه، ويقول: هذا الحديث لا يعجبني شكله وإن كان في الصحيحين، ويقول: لازم نعرض كل حديث على العقل، مع أن عقله ليس نظيفًا، ولن يفهم هذا قط.
ونحن لما كانت عقولنا نيرة بنور الإيمان فهمنا هذا وعلمنا أنه حق، ويكفي في كونه حقًا أننا نعتقد أن النبي قد قاله عليه الصلاة والسلام قد قاله، حتى وإن خفيت علينا العلة.
قال: [وعن جرير البجلي قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم: (إذا أبق العبد إلى العدو برئت منه الذمة) .
وقال -أي جرير: مع كل أبقة كفرة، يعني: لو أن العبد أبق مرة كفر مرة، وإن أبق الثانية كفر الثانية، وهكذا، فمع كل مرة يأبق فيها العبد يكفر بها كفرًا عمليًا يلزم منه التوبة واسترضاء سيده.