السؤالأخذت مالًا من بعض الناس على أني سأشغله لهم وأعطيهم على الألف أربعين جنيهًا، وأنا جاهل بأن هذا من الربا، فأخذت عشرة آلاف، وبعد ذلك علمت أنه ربا، وقد خسرت هذا المال في تجارة ثم تبت بعد ذلك إلى الله، والآن أنا أريد سداد هذا المال، والأبواب مسدودة في وجهي، وأبواب الحرام مفتوحة، وأخشى أن أضعف فهل من الممكن أن يسلفني أحد هذا المبلغ أو بعضه ثم أعمل جمعية بالباقي على أن يسدد أربعمائة جنيه في الشهر؟
الجوابعندما لا تجد من يساعدك فهذا دليل على أنك فتحت باب الحرب بينك وبين الله، ولو كنت صادقًا فيما تقول وأنك لا تعلم أن هذا ربا، وأنك فعلًا لم تبدأ الحرب مع الله عز وجل؛ لأن الله تعالى قال في المرابين: {فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ} [البقرة:279] ، فلم يعمل أحد قط بالربا إلا خسر كل شيء؛ لأنها حرب مع الله، ومن حارب الله لا بد أن يُهزم.
اليهود والنصارى يعلمون أن مثل هذا التعامل هو ربا، والعجيب أن أحدًا من الناس في الأسبوع الماضي يقول لي: أنا وضعت مالي في بنك مصري وآخذ أرباحًا، فهل الأرباح هذه حلال أم حرام؟ فهو قابلني وأنا ذاهب لأصلي العصر فقلت له: حرام طبعًا، فقال: فأين أضع أموالي حتى آخذ المال الحلال؟ قلت له: ضعها في بنك فيصل أو في مصرف الإسلام الدولي.
قال: لا أستطيع، قلت له: على أية حال هم أعلنوا ورفعوا راية الإسلام، فإن كان شيء يخالف هذه الراية فهم مسئولون أمام الله عز وجل إلى أن اقتربنا من باب المسجد فقال: بعد إذنك، قلت له: أين تذهب؟ ألا تصلي؟ قال: أصلًا أنا! أرأيتم أصحاب الربا؟ أنا رأيت من هذا أنه يعلم أن هذا التعامل ربا، فالقاعدة التي لا تنخرم أن الغرم بالغنم، أنت شريك في المكسب وشريك في الخسارة، فتدفع مبلغًا شهريًا أربعمائة جنيه أو ثلاثمائة جنيه عن العشرة آلاف جنيه كل شهر، والأصل أن هناك تجارة لهذا المال، وهذه التجارة معرضة للمكسب والخسارة، والمكسب قد يكون قليلًا أو كثيرًا، وفي كل الأحوال أنت وصاحب المال شركاء في هذا الربح كل على حسب نسبته، أنت بالعمل وهو بالمال، أما أن تأخذ ربحًا مقطوعًا ابتداء فتأخذ ثلاثمائة جنيه على العشرة آلاف جنيه كل شهر، وافرض أنني خسرت وأظل أخسر باستمرار، وافرض أن رأس المال نفسه خسر وتدمر وذهب عني فماذا أعمل؟ هل أضمنه؟ الأصل أنك أتيت لي بهذا المال لثقتك أنني ماهر في التجارة، وإلا فأنت لو أتيتني بمال وأنت تعلم أنني لا علاقة لي بالتجارة، فخسرت، فلا شيء لك، فالمطلوب منك كرجل صاحب مال أن تتحرى من يجيد إدارة هذا المال، لكن حينما تعطيه صاحب محطة وتقول له: شغله لي! كرجل ركب الباخرة فتعرف على رجل في سطح الباخرة، وأعطاه كل أمواله وقال له: عندي ثلاثون ألف جنيه، فأعطني طقمًا صينيًا وطقمًا آخر إيطاليًا وغير ذلك قال: إن شاء الله حينما ننزل أنا أعرف ابن عمي من سكان مكة، وهو يستطيع أن يأتيك بكل شيء وأنت قاعد، فأول ما نزلوا عند الحرم، وأنتم تعلمون أنه ممنوع أن يدخل أي شخص بأي شنطة، فقال صاحبنا: اعتمر واترك متاعك وأنا أظل عندها، وحينما تعتمر تأتي عند الشنطة وأنا أدخل لأعتمر، قال: أنا متعب جدًا ومرهق جدًا وابدأ أنت فاعتمر ثم ارجع، طبعًا صاحبنا لا يزال لم يدخل من باب الحرم والآخر أخذ الشنطة وتوكل على الله، وكان فيها ثلاثون ألف جنيه، فأول ما وجدته وهو يطوف فرحت وسلمت عليه، وحضنته واطمأننت عليه، وقلت له: متى أتيت؟ قال: أتيت الآن، ولا يزال ينتظرني رجل من وزارة الزراعة في الجيزة تعرفت عليه في سطح الباخرة عنده الفلوس وهو في الخارج، قلت له: تعرفت عليه وهو من وزارة الزراعة، وينتظرك في الخارج؟ أين ينتظرك في الخارج؟ لو سمحت اقطع الطواف ولنخرج لنأتي بالشنطة أو أظل عندها، لأني أعرفه، فهو معروف لدي وهو من إخواننا، ثم خرجنا نبحث عنه ثلاثة أيام، فلم نجده لا في وزارة الزراعة ولا الصناعة أبدًا، فحينما رجعنا إلى مصر سألنا جميع الوزارات، وذهبنا إلى التأمينات على اعتبار أن فيها تأمينات الجمهورية كلها، أي أساميهم جميعًا تأتي بها، قال: لا يوجد أحد بالاسم هذا نهائيًا على شاشة الكمبيوتر، قال: ماذا أعمل؟ قلت له: لا نقاش في أنك ضامن لهذا المال، فهو لا يضمن في حالة واحدة، وهي أن صاحب المال يعرف إمكانيات صاحبنا ويعطيه المال، صاحبنا هذا رجل من أهل الصلاح والتقوى، لكنه لا يؤتمن على قلم رصاص؛ ليس لأنه يسرقه فهو صاحب دين، فأتى صاحب الأموال وظل يحقق في القضية إلى أن أيقن أن إمكانيات صاحبنا هذا لا تسمح بائتمانه على جنيه واحد، فالله سبحانه وتعالى أكرمه، وقال له: أنا قد سامحتك.
الشاهد من أن هذا: لو أن أحدًا من هؤلاء يسلفك، فأنا متأكد أنه لن يرجع إليه شيء أبدًا، فهل منكم أحد مستعد أن يتبرع بعشرة آلاف جنيه؟