قال الشيخ ابن بطة: [ومما يحتج به على الجهمي الخبيث الملحد أن يقال له: هل تعلم شيئًا مخلوقًا لا يجوز أن يمسه إلا طاهر طهارةً تجوز له بها الصلاة؟ -أي: هل تعلم شيئًا مخلوقًا لا يجوز للمحدث مسه، ويصح بها الصلاة؟ - فلولا ما شرف الله به القرآن، وأنه كلامه وخرج منه لجاز أن يمسه الطاهر وغير الطاهر، ولكنه غير مخلوق، فمن ثم حظر الله تعالى أن يمس المصحف أو ما كان فيه مكتوب من القرآن إلا طاهر، فقال تعالى: {لا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ} [الواقعة:79] ].
ولكن الإمام في الحقيقة يخالف جماهير العلماء الذين يقولون في هذه الآية: {لا يَمَسُّهُ -أي: اللوح المحفوظ- إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ} [الواقعة:79] يعني: الملائكة، والإمام بهذا يخالف، وكأنه يجمع الأدلة من هنا وهناك لإثبات صحة ما يقول، ونحن نعتقد صحة ما قال وما يقول بدون التكلف الذي تكلفه في تأويل قول الله تعالى: {لا يَمَسُّهُ إِلَّا الْمُطَهَّرُونَ} [الواقعة:79] .
وفي حديث محمد بن إسحاق عن عبد الله بن أبي بكر -وهو ابن عمرو بن حزم - قال: [ (كتب رسول الله صلى الله عليه وسلم لجدي -أي: أبي بكر بن عمرو بن حزم - إن القرآن كلام الله، فلا يمس القرآن إلا طاهر) ] ، وليس في الروايات: إن القرآن كلام الله وإنما النص الثابت في كتابه عليه الصلاة والسلام لـ أبي بكر بن عمرو بن حزم: أنه قال: (لا يمس القرآن إلا طاهر) .
وهذا الكتاب قد روي بطرق متعددة، وفي كل طريق منها ضعف، فمنهم من يثبته من جهة الإسناد ومنهم من يرده، وإن كانت الأمة أجمعت على وجوب العمل بهذا الكتاب؛ لأنه من قبيل الوجادة، والوجادة نوع من أنواع صيغ التحمل الثمانية التي منها: التحديث، والسماع، والإجازة، والعرض، وكذلك منها الوجادة، وصورة الوجادة: أن يجد الراوي كتابًا مكتوبًا فيه شيء من العلم، بخط فلان يعرفه جيدًا، ويثبت أن هذا من حديثه، فحينئذ لا يقول: سمعت ولا حدثنا ولا أخبرنا، وإنما يقول: وجدت في كتاب فلان قال: كذا وكذا، وهذه الوجادات موجود منها شيء ليس باليسير في مسند الإمام أحمد بن حنبل عن عبد الله بن الإمام: أنه وجد كتابًا في بيت أبيه.
وهو يعرف أنه لأبيه، فقال: وجدت في كتاب أبي أنه قال: حدثنا فلان، ثم يذكر الإسناد ويذكر المتن.
فقول الراوي: وجدت في كتاب فلان؛ هذا يعبر عنه العلماء بالوجادة، فكذلك الكتاب الذي أرسله النبي عليه الصلاة والسلام لـ عمرو بن حزم كتاب وجده أبو بكر بن عمرو بن حزم، أو وجده موجهًا من النبي صلى الله عليه وسلم إلى عمرو بن حزم؛ فهو عند أهل العلم من باب الوجادة.
[عن نافع عن ابن عمر: أنه كان لا يأخذ المصحف إلا طاهرًا] .
أي: لا يمس المصحف إلا وهو على طهارة.
وفي الصحيحين من حديثه أيضًا: أن النبي عليه الصلاة والسلام قال: (لا تسافروا بالقرآن إلى أرض العدو) وفي رواية زيد فيها: (مخافة أن يناله العدو) ، والمقصود بالعدو هنا: العدو المحارب لا العدو المسالم؛ لأن العدو منه من يكون محاربًا، ومنه من يكون مسالمًا، فالعدو الذي لا يقاتلني عدو مسالم، والعدو الذي رفع راية الحرب عدو محارب، وكذلك هناك عدو بيني وبينه عهد وأمان، وعدو ليس بيني وبينه عهد، فالأعداء كثيرون، ولكن لكل منهم حكمه، منهم من كان معاهدًا، أو بيني وبينه عهد وأمان، ومنهم من نقض العهد فصار حربيًا، فقول النبي صلى الله عليه وسلم: (لا تسافروا بالقرآن إلى أرض العدو) إنما قصد العدو المحارب، وأنتم تعلمون أن نقض العهد يكون لأدنى شيء، وما وجد الكفار قط أحفظ ولا أرعى للعهود والمواثيق من المسلمين على مر التاريخ، ما نقض المسلمون عهدًا قط، وإنما الذي كان ينقض دائمًا هو العدو وخاصة إذا كان العدو يهوديًا، فإن اليهودي ما حفظ وما رعى عهدًا قط، فاليهود قوم غدر، وأظن أن غدرهم لا يخفى على أحد، حتى الساسة أنفسهم يعلمون بغدر اليهود بالليل والنهار؛ لأنهم إذا نقضوا العهد مع المسلمين فإنما ينقضون العهد مع الساسة المسلمين أولًا، فهم أعرف الناس في المسلمين بغدر اليهود وبحيلهم وألاعيبهم، فالساسة أعلم بهم منا، إذ نحن نعلم أنهم أهل غدر وخيانة من القرآن والسنة، ولكن غدرهم وخيانتهم في الواقع واقعة على السياسين بالدرجة الأولى.
فقوله: (لا تسافروا بالقرآن إلى أرض العدو مخافة أن يناله العدو) أي: إذا خيف وقوع المصحف بأيديهم.
[عن نافع عن ابن عمر: (أن النبي عليه الصلاة والسلام نهى أن يسافر بالقرآن إلى أرض العدو مخافة أن يناله العدو) ] ، وأنتم تعلمون أن العدو إذا نال المصحف أو استهزأ به أو سخر منه أو ضربه بقدمه أو بعصاه فقد انتقض العهد؛ لأنه لا يحت