فهرس الكتاب

الصفحة 963 من 6723

690 -قوله (غَيْرُ كَذُوبٍ) إن قلتَ الكذوب صيغة المبالغة، ولا يَلْزم من نفي المبالغة، نفي أصل الكذب؛ قلتُ لأنَّ من كذب في روايةِ أحكام الشَّرْع الَّتي أثرها باقية إلى يوم القيامة لا يكون إلَّا كذوبًا، فنُفِيَ بتلك الصِّيغة نظرًا إلى أنَّه لو كذب لكان كذوبًا.

«الكشَّاف» في قوله تعالى {وَأَنَّ اللهَ لَيْسَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ} [آل عمران182] مع أنَّه {لَا يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ} [النِّساء40] ذلك لأنَّ العذابَ من العظيم لولا الاستحقاق؛ لكان المعذِّب بمثله ظلَّامًا بليغ الظُّلم متفاقمه، انتهى.

الخطَّابيُّ قال ابن معين، والقائل وهو غير كذوب هو أبو إسحاق ومراده أنَّ عبد الله غير كذوب، وليس المراد أنَّ البراء غير كذوب؛ لأنَّ البراء صحابيٌّ لا يحتاج إلى التَّزكية، ولا يقال لرجل من أصحاب رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم مثل هذا الكلام.

وقال قلتُ قوله (وَهُوَ غَيرُ كَذُوبٍ) لا يوجب تهمة الرَّاوي حتَّى يحتاج إلى أن ينفي عنه بهذا، إنَّما يوجب ذلك إثبات حقيقة الصِّدق له ليتأكَّد العلم به؛ أي مَعْناه تقوية الحديث والمبالغة في تَمْكينه من النَّفْس لا التَّزكية الَّتي يكون في مشكوكٍ فيه.

وهذه عادتهم فيما يروونه حيث يريدون إيجابَ العمل به أو تأكيد العلم فيه، كقول أبي هريرة سمعتُ خليلي الصَّادق المَصْدوق.

وقول ابن مَسْعود حدَّثني عليه السَّلام وَهُوَ الصَّادق المَصْدوق، وهذا لا يوجب ظنَّة كانت فتُرفع بهذا القول، إنَّما هُوَ نوع بناء وضَرْب تأكيد، وإذا اشتدَّت العناية بالشَّيء من القائل به مؤكِّدة به.

قال النَّوويُّ وكلام ابن معين لا وجه له من جهة أخرى أيضًا؛ لأنَّ عَبْدَ الله صحابيٌّ أيضًا، فحكمه حكم البراء في ذلك.

[قوله (غَيْرُ كَذُوبٍ) قال ابن معين قائل هذا هو أبو إسحاق السَّبيعيُّ في عَبْد الله بن يزيدَ الخطميُّ فإنَّه الرَّاوي عنه؛ لأنَّ مثل البراء لا يحتاج إلى تزكية، وتبعه في ذلك الحميديُّ والخطيب وابن الجَوْزيِّ، وفيه نظر؛ لأنَّ عبد الله بن يزيدَ صحابيٌّ أيضًا، وعبد الله لم يُرِد به التَّعديل، وإنَّما أراد به قوَّة الحديث؛ قاله النَّوويُّ.

في «شرح مسلم» هذا الَّذي قاله ابن معين خطأ عند العلماء، قالوا بل الصَّواب أنَّ قائل ذلك هو عبد الله بن يزيد، ومراده التَّقوية لا التَّزكية.

قال ونظيره قول ابن مَسْعود حدَّثنا رسول الله وهو الصَّادق المَصْدوق.

وقول أبي مُسْلم الخَوْلانيُّ حدَّثني الأمين عوف بن مالك وما ادَّعاه من التَّنظير ليس بجيِّدٍ.

قال بعض فضلاء المالكيَّة كأنَّه كلام مَن لم يلمَّ بشيء من علم البيان أصلًا، ومن ذا الَّذي لا يُفَرِّق بين قولنا زيد صدوق وزيد غير كذوب، وبين قولنا زيد عاقل وزيد ليس بمجنون ألا ترى أنَّ ابن مَسْعود لو قال عوض قوله (وهو الصَّادق المَصْدوق) (وهو غير كذوب) ؛ لوجدت الطَّبع يَنْفر والشَّعر يقف عند سماعه، فإنَّا نفرِّق بين إثبات الصِّفة للموصوف وبين نفي ضدِّها عنه.

والسِّرُّ _والله تعالى أعلم_ أنَّ نفي الضِّدِّ كأنَّه يقع جوابًا لمن أثبته بخلاف إثبات الصِّفة، فإنَّه على الأصل.

فإذا قلتَ جاء زيد العالم؛ كأنَّك قلتَ المَعْروف بالعلم، لا أنَّ ثمَّ منازعًا في ذلك إنَّما هُوَ كلام خرج في معرض تعريف الذَّات الموصوفة بالعلم] . [1]

و (حَمِدَهُ) بفتح الميم وكسرها.

و (لَمْ يَحْنِ) بفتح الياء وكسر النُّون وضمِّها.

و (ثُمَّ نَقَعُ) بالرَّفع لا غير، بخلاف (حتَّى نقع) ، فإنَّه جاز فيه الرَّفع والنَّصب؛ قاله الكرمانيُّ.

وقال شيخ والدي بالرَّفع على الاستئنافِ.

ج 1 ص 343

[1] ما بين معقوفين منقول من الخاتمة (ص 314/أ_314/ب) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت