684 -قوله (فَأُقِيمَ) بالرَّفع والنَّصبِ.
و (فَصَلَّى) أي فَشَرَع في الصَّلاة.
و (تَخَلَّصَ) أي صار خالصًا من الأشغال.
قوله (لِابْنِ أَبِي قُحَافَةَ) لم يقل لي ولا لأبي بكر؛ تحقيرًا لنفسِه واستصغارًا لمرتبته عند رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم، والمراد من بين يدي القدَّام.
ولفظ (يَدَي) مُقْحم أو محمول على الحقيقة.
وَ (مَا لِي) تعريض، والغرض مالكم.
[فائدة قرَّر الحافظ أبو العزِّ عبد المغيث بن زهير البغداديُّ أنَّ الصِّدِّيق كان إمامًا، والنَّبيُّ صلَّى الله عليه وسلَّم كان إمامًا من عدَّة طرق.
وقال أنَّ قول بعض العلماء أنَّ الحديث الَّذي رُوِيَ أنَّه عليه السَّلام صلَّى ورا الصِّدِّيق، وكان الصِّدِّيق إمامًا آخر صلاة صلَّاها عليه السَّلام، ثمَّ لم يصلِّ بعدها صلاة، وكانت صلاة الصُّبْح، وقُبِضَ عليه السَّلام حين ارتفع نهار ذلك اليوم غير صحيح، ومداره على شبابة بن سوَّار، وقد تكلَّم فيه أحمد.
وقال أنَّه غلط فيه، وليس كما ذكره، بل شبابة من رجال «البخاريِّ» و «مسلم» .
وقد أخرج الحديث من طريقه أحمد والتِّرمذيِّ وصحَّحه، وداود وابن حبَّان في «صحيحه» وغيرهم.
وقول أحمد في شبابة ليس هو صاحب حديث صلاة النَّبيِّ عليه السَّلام خلف أبي بَكْر أراد تعريفه به واشتهاره به وأمَّته إن صحَّ هذا عنه.
وقد أخرج الإمام أحمد هذا الحديث في «مُسْنده» ، وهو يدحض هذه المقالة المَعْزيَّة إليه وإنَّما أنكر أحمد على شبابة شيئًا بلغه عنه من الأرجاء، وجاء شبابة مُعْتذرًا ممَّا بلغه عنه ذكره العُقَيليُّ في كتابه، ثمَّ ساق الحديث من ثلاثين طريقًا ليس فيها ذكر شبابة بن سوَّار.
وفي بعض طرقه عن ابن عبَّاس لم يصلِّ عليه السَّلام خلف أحد من أمَّته صلاة تامَّة إلَّا خلف أبي بكر، وصلَّى خلف عبد الرَّحمن بن عَوْف ركعة.
وفي بعض طرقه أنَّ أبا بكر أراد أن يتحوَّل من الصَّفِّ من إمامته فردَّه عليه السَّلام، وقال «ما كان لنبيٍّ أن يموت حتَّى يؤمَّه رجل من أمَّته» رواه أحمد، وفي رواية لابن سَعْدٍ أنَّه عليه السَّلام قال ذلك حين انصرف، وبذلك أجاب الحافظ أبو عليِّ أحمد البردانيُّ وابن ناصر السَّلاميُّ، وقال أنَّه صحيح، وثبت أنَّه عليه السَّلام صلَّى خلفه مُقْتديًا في مَرضه الَّذي تُوُفِّي فيه ثلاث مرَّات؛ ذكره أبو داود والتِّرمذيُّ، ولا يُنْكر ذلك إلَّا جاهل لا علم له بالرِّواية، ووافقه أيضًا في ذلك الحافظ أبو بكر محمَّد بن مَنْصور القَصْريُّ، وصنَّف فيه أيضًا الحافظ ضياء الدِّين المَقْدسيُّ]. [1]
خاتمة
فيه أنَّ التَّابع إذا أمره المتبوع بشيء وفهم منه إكرامه لا ينجم الفعل عليه، وله أن يتركه، ولا يكون هذا مخالفة للأمر، بل أدبًا وتحذُّقًا في فَهْم المقاصد.
وإنَّ الإقامةَ لا تصحُّ إلَّا عند إرادةِ الدُّخول في الصَّلاة؛ لقوله (فأقم) بالفاء التَّعقيبيَّة، وأنَّ المؤذِّن هو الَّذي يقيم، وتقدَّمت هذه المسألة في أوَّل كتاب الأذان وجواز خرق الإمام الصُّفوف.
التَّيميُّ فيه خطأ قول من زعم أنَّه لا يجوز لمن أحرم بالصَّلاةِ أن يدخل الجماعة في بيته صلاته حتَّى يخرج منها بتسليم، فإن دخل معهم دون السَّلام؛ فَسَدت صلاته.
وفيه أنَّ الإمام المَعْهود إذا أتى والنَّاس في الصَّلاة ليس له أن يخرج من قدَّم إلَّا أن يأباه كما فعل أبو بكر، فقيل هذا خاصٌّ بالنَبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم؛ لأنَّه لا يجوز التَّقدُّم بين يديه، وليس لسائر النَّاس اليومَ من الفَضْل مَن يجب أن يتأخَّر له، وكان جائز لأبي بكر رضي الله تعالى عنه أن لا يتأخَّر لإشارته عليه السَّلام أن امكث، انتهى.
[1] ما بين معقوفين منقول من الخاتمة (ص 314/أ) .