50 -قوله (أَنْ تُؤْمِنَ بِاللهِ) إن قلت لم أعاد لفظ الإيمان في الجواب أيضًا، فإنَّه قال (ما الإيمان؟ قال الإيمان أن تؤمن بالله) فهذا يقتضي التَّكرار، فما فائدته؟
فالجواب أنَّه لا يقتضي التَّكرار، قال الطَّيبيُّ لأنَّ قوله أن يؤمن بالله متضمِّن معنى أن يعترف به، ولهذا عدَّاه بالتَّاء؛ أي أن تُصَدِّق مُعْترفًا بكذا، أو التَّصديق أيضًا يُعَدَّى بالتاء؛ فلا يحتاج إلى دعوى التَّضمين.
وقال الكرمانيُّ إن قلتَ ما وجه تفسير الإيمان بأن تؤمن، وفيه تعريف الشَّيء بنفسه؛ قلتُ ليس تعريفًا بنفسه، إذ المراد من المحدود الإيمان الشَّرعيُّ ومن الحدِّ الإيمان اللُّغويِّ، أو المتضمِّن للاعتراف، ولهذا عُدِّي بالباء؛ أي أن تُصَدِّق مُعْترفًا بكذا.
لفظ (الإيمان بالله) يتناول الإيمان بوجوده وبصفاته الَّتي لا تتمُّ الألوهيَّة إلَّا بها.
إن قلت كيف قال هنا «الإيمان أن تؤمن بالله» ؟ وفي حديث عبد القيس قال «أتدرون ما الإيمان بالله وحده» ؟ قالوا الله ورسوله أعلم، قال شهادة أن لا إله إلَّا الله، وَوَرَدَ الإسلام هو أن تشهد أن لا إله إلَّا الله.
أجيب بأنَّ المراد من الإيمان هنا الإسلام، انتهى.
يعني أنَّ قوله (أَنْ تُؤْمِنَ) يتجلَّ منه الإيمان، فكأنَّه قال الإيمان الشَّرعيُّ تصديق خاصٌّ، والَّذي يظهر أنَّه إنَّما أعاد لفظ الإيمان؛ للاعتناء بشأنه تفخيمًا لأمره، ومنه قوله تعالى {قُلْ يُحْيِيْهَا الَّذِيْ أَنْشَأَهَا أَوَّلَ مَرَّةٍ} [يس79] في جواب {مَنْ يُحْيِي العِظَامَ} [يس78] ، وإلَّا لكان الجواب الإيمان التَّصديق الإيمان بالله هو التَّصديق بوجوده، وأنَّه متَّصف بصفات الكمال منزَّه عن صفات النَّقص.
قوله (جِبْرِيْلَ) منصوب، فيه مسامحة، والصَّواب (جبريلَ) مجرور بالفتحة؛ لأنَّه غير منصرف؛ لأنَّ عبارته تُشعِر أنَّ جبريل منصوب، والنَّاصب له كونه غير منصرف، وأنت خبير بأنَّه مجرور، غاية الأمر أنَّه مجرور بالفتحة نيابة عن الكسرة، ويحتمل كونه غير منصرف.
قوله (وَبِرُسُلِهِ) قدَّم ذكر الملائكة على الرَّسول اتِّباعًا لترتيب الوجود بأنَّ الملائكة مقدَّمة في الخلق، أو لترتيب الواقع في تحقيق مَعْنى الرِّسالة، فإنَّه تعالى أرسل الملك إلى الرَّسول، لا تفضيلًا للملائكة على الرُّسل كما هو زعم المعتزلة.
والإيمان بالرُّسل مُسْتلزم للإيمان بما أنزل عليهم
ج 1 ص 75
فلذلك أهمل ذكر الكتب وكرَّر لفظ (تؤمن) لأنَّه نوع آخر من المؤمَن به؛ لأنَّ البعث سيوجد فيما بعد، وأحواله موجودة الآن.
والمراد من (البَعْثِ) بعث الموتى من القبور وما يترتَّب عليه من الحساب والصِّراط والجنَّة والنَّار وغيره، أو بعثه الأنبياء، والأوَّل أظهر.
إشارة إن قيل قوله (وَبِلِقَائِهِ) يَقْتضي التَّكرار؛ لأنَّها داخلة في الإيمان بالبعث؛ فالجواب إنَّها غير مكرَّرة فقد قيل المراد بالبعث القيام من القبور، والمراد باللِّقاء ما بعد ذلك، وقيل اللِّقاء يحصل بالانتقال من دار الدُّنيا، والبعث بعد ذلك، ويدلُّ على هذا رواية مطر الورَّاق، فإنَّ فيها «وبالموت وبالبعث بعد الموت» وكذا في حديث أنس وابن عبَّاس رضي الله تعالى عنهما، وقيل المراد باللِّقاء رؤية الله تعالى؛ ذكره الخطَّابيُّ، وتعقَّبه النَّوويُّ بأنَّ أحدًا لا يقطع لنفسه رؤيته تعالى، فإنَّها مختصَّة بمن مات مؤمنًا، والمرء لا يَدْري بم يُختَم له، فكيف يكون ذلك من شرائط الإيمان.
وأجيب أنَّ المراد الإيمان بأنَّ ذلك حقٌّ في مقتضى الأمور، هذا من الأدلَّة القويَّة لأهل السُّنَّة في إثبات رؤيته تعالى في الآخرة إذ جُعِلَت من قواعد الإيمان.
إن قلتَ السُّؤال في الإسلام عامٌّ؛ لأنَّه سأل عن ماهيَّة الإسلام، والجواب خاصٌّ؛ لقوله (أن تعبد) أو تشهد وكذا قال في الإيمان (أن تؤمن) ، وفي الإحسان (أن تعبد) ؛ فالجواب إنَّ ذلك لنكتة الفرق بين المصدر وبين أنَّ والفعل؛ لأنَّ أن تفعل تدلُّ على الاستقبال، والمصدر لا يدلُّ على زمان، على أنَّ بعض الرُّواة أورده هنا بصيغة المصدر، ففي رواية عثمان بن غياث قال (شهادة أن لا إله إلَّا الله) وكذا في حديث أنس، وليس المراد لمخاطبته بالإفراد؛ اختصاصه بذلك، بل المراد تعليم السَّمعين الحكم في حقِّهم وحقِّ من أشبههم من المكلَّفين، وقد تبيَّن ذلك بقوله في آخره يعلِّم النَّاس دينهم.
قوله (أَنْ تَعْبُدَ اللهَ) العبادة هي الطَّاعة مع الخضوع، فيحتمل أن يراد بها معرفة الله تعالى، فتكون عطف الصَّلاة والزَّكاة والصَّوم عليها لإدخالها في الإسلام؛ لأنَّها لم تدخل بحسب لفظ العبادة.
واقتصر على هذه الثَّلاث؛ لكونها من أركان الإسلام وأظهر شعائره، والباقي مُلْحق بهَا، وترك الحجَّ؛ إمَّا لأنَّه لم يكن فُرِضَ، وإمَّا أنَّ بعض الرُّواة شكَّ فيه، فأسقطه؛ قاله الكرمانيُّ.
وورد في حديث ابن عمر «وتحجَّ البيت» ولم يأتِ في رواية أبي هريرة ولا في حديث طلحة بن عبيد الله؛ قاله الكرمانيُّ
ويحتمل أن يُرادَ الطَّاعة مطلقًا، فتدخل جميع وظائف الإسلام، فيكون عطف الثَّلاثة عليها من باب ذكر الخاصِّ بعد العامِّ؛ تَنْبيهًا على شرفه ومزيته، نحو {وَمَلَائِكَتِهِ [وَرُسُلِهِ] وَجِبْرِيْلَ} [البقرة98] .
وذكر (لَا تُشْرِكَ) بعد العبادة؛ لأنَّ الكفَّار كانوا يعبدونه تعالى في الصُّورة ويعبدون معه أوثانًا يزعمون أنَّها شركاء، فنفى ذلك.
قوله (الزَّكَاةَ المَفْرُوْضَةَ) إن قلتَ ظاهر الحديث يقتضي تغاير الإيمان والإسلام، وتقدَّم أنَّ الإيمان والإسلام والدِّين عند البخاريِّ عبارات عن معنى واحد؛ قلتُ اضطربت أقوال العلماء فيه، وقال الخطَّابيُّ ما ملخَّصه المسلم قد يكون مؤمنًا، وقد لا يكون، والمؤمن مسلم دائمًا، فكلُّ مؤمن مسلم بدون العكس، وإذا تقرَّر هذا؛ استقام تأويل الآيات والأحاديث، واعتدل القول فيها.
وأصل الإيمان التَّصديق، وأصل الإسلام الاستسلام، فقد يكون المرء مسلمًا؛ أي منقادًا في الظَّاهر غير منقاد في الباطن، وقد يكون صادقًا في الباطن غير منقاد في الظَّاهر.
وقال البَغَويُّ جعل الشَّارع الإسلام اسمًا لما ظهر من الأعمال، والإيمان اسمًا لما بطن من الاعتقاد، وليس ذلك؛ لأنَّ الأعمال ليست من الإيمان والتَّصديق بالقلب ليس من الإسلام، بل ذلك تفصيل لجملة هي كلُّها شيء واحد، وجماعها الدِّين، قال عليه السَّلام «أتاكم جبريل» الحديث، والتَّصديق والعمل يتناولهما اسم الإيمان والإسلام جميعًا.
ابن الصَّلاح ما في الحديث بيان لأصل الإيمان وهو التَّصديق بالباطن، ولأصل الإسلام وهو الاستسلام والانقياد الظَّاهر؛ لأنَّ اسم الإيمان يتناول ما فُسِّر به الإسلام وسائر الطَّاعات؛ لكونها ثمرات التَّصديق الباطن الَّذي هو أصل الإيمان، ولهذا فسَّر الإيمان في حديث الوفد بما هو الإسلام هنا، واسم الإسلام يتناول أيضًا ما هو أصل الإيمان هو التَّصديق الباطن، ويتناول الطَّاعات، فإنَّ ذلك كلُّه استسلام، فتحقَّق ممَّا ذكرنا أنَّهما يجتمعان ويفترقان.
قوله (الإِحْسَانُ) قال الطَّيبيُّ الإحسان على وَجْهين
الإنعام على الغير، والإحسان في الفعل، ويجوز أن يُحمَل هنا على الإنعام، وذلك لأنَّ المرائي يُبطل عمله فيظلم نفسه، فقيل له أحسن إلى نفسك واعبد الله كأنَّك تراه، وإلَّا فتهلك.
وعلى الثَّاني كما في قوله تعالى {إِنَّا نَرَاكَ مِنَ المُحْسِنِيْنَ} [يوسف78] ؛ أي المجيدين المتقنين في تَعْبير الرُّؤيا، كأنَّه سأل ما الإجادة والإتقان في حقيقة الإيمان والإسلام؟ فأجاب بما يُنبئ عن الإخلاص، انتهى كلام الكرمانيِّ.
وقال بعض المتأخِّرين يقال أحسنت الشَّيء إذا زيَّنته، وأحمله كأنَّه يقول أحترز عن الشَّيء الَّذي من أركان الإسلام ويحسِّنها، فأجابه عليه السَّلام بما أجاب، فقد أشار بهذا إلى المراتب بأن يجعل الحضور يصيب غيبك في عبادة ربِّك وأن لا تلتفت بظاهرك إلى ما يلهيك عن مقصودك وبباطنك إلى ما يشغلك عن مشاهدة معبودك، وإن لم تكن لك هذه المرتبة من المشاهدة.
فاعلم أنَّك بمرائي من رقيبك، ولا تعترض عليك رتبة في أنَّه يرى ظاهرك فتزيِّنه بالخشوع، ويعلم باطنك فحسِّنه بالإخلاص والحضور.
وقال الخطَّابيُّ الإحسان ههنا معناه الإخلاص، وهو شرط في صحَّة الإسلام والإيمان معًا وذلك أنَّ من وصف الكلمة وجاز بالعمل من غير نيَّة، وإخلاص لم يكن محسنًا، ولا كان إيمانه في الحقيقة كاملًا، وإن كان دمه في الحكم محقونًا، وكان بذلك في حمله المسلم معدودًا، انتهى.
فائدة الألف واللَّام في قوله (مَا الإِحْسَانُ؟) إشارة إلى المعهود في قوله تعالى {لِلَّذِيْنَ أَحْسَنُوا الحُسْنَى} [يونس26] و {هَلْ جَزَاءُ الإِحْسَانِ إِلَّا الإِحْسَانُ} [الرَّحمن60] و {أَحْسِنُوا إِنَّ اللهَ يُحِبُّ المُحْسِنِيْنَ} [البقرة195] .
ولتكراره في القرآن، ولترتُّب الثَّواب على [ما] سأل عنه جبريل صلَّى الله عليهما وسلَّم.
تنبيه ذهب بعض الصُّوفيَّة في قوله «فإن لم تكن تراه» إلى أنَّه فإن لم يكن يعني غيَّبت عن وجودك، ولم يكن
ج 1 ص 76
رأيته وهذا حسن لو ساعده الإعراب عليه، فإنَّ هذا شرط وجوابه وهما مجزومان، ويكون اللَّفظ الصَّحيح (فإن لم تكن ترَه) حتَّى يصحَّ المعنى.
إن قلتَ (فَإِنَّكَ) ما محلُّه من الإعراب؟
قلتُ حال من الفاعل؛ أي تعبد الله مشتبهًا بمن يراه.
فإن قلت (فَإِنَّهُ يَرَاكَ) لا يصحُّ جزاء الشِّرط؛ لأنَّه ليس مسبَّبًا عنه؛ قلتُ إمَّا أن يقدَّر فإن لم تكن تراه؛ فاعتد أو اعتبر لأنَّه يراك، كما يقال في إن أكرمتني فقد أكرمتك أمس؛ أو أخبر أنا أنَّ المراد أن تعتدَّ بإكرامك؛ فأعتدُّ بإكرامي، أو فإن تخبر بذاك؛ فأخبر بهذا، وهو قول النَّحويِّ.
وإمَّا أن تقدِّر فإن لم تكن تراه؛ فلا تغفل فإنَّه يراك، فإنَّ رؤيته مُسْتلزمة لأن لا يغفل عنه؛ يعني أنَّه مجاز في كونه جزاء، والمراد لازمه؛ وهو قول البيانيِّ، انتهى كلام الكرمانيِّ.
قال السَّخوميُّ إن قيل هلَّا قيل (فإن لم تره) يدلُّ قوله فإن لم تكن تراه مع أنَّه أخصر؛ أجيب بأنَّ المطابق لقوله (أن تعْبدَ اللهَ كأنَّك تراه) أي تقول فإن لم تكن تراه؛ أي فإن لم تكن كأنَّك تراه، لا أن يقول فإن لم تره.
فائدة عُلِم منه أنَّ الرؤية لا يشترط فيها خروج الشُّعاع ولا انطباع صورة المرئيِّ في الحدقة ولا مواجهة ولا مقابلة، ولا رفع الحجب فيجوز أن يكون تعالى مرئيًا لنا يوم القيامة إذ هي حالةٌ يخلقها الله في الحاسَّة وهذه المذكورات شروط للرُّؤية عادةً ولهذا جوَّز الأشاعرة أن يرى أعمى الصِّين بقَّة الأندلس.
قوله (بِأَعْلَمَ) الباء زائدة لتأكيد معنى النَّفي.
قوله (أَشْرَاطِهَا) أي علاماتها، وقيل أوائلها ومقدِّماتها، وقيل صغار أمورها، والمراد السَّابقة لا المقاربة كطلوع الشَّمس من المغرب، وغير ذلك خروج الدَّابَّة ونحوهما؛ قاله الكرمانيُّ.
لطيفة الدَّابَّة الَّتي تخرج على النَّاس رُوِيَ أنَّ لها رأس ثور وعين خنزير وأذن فيل ولون نمر وصدر أسد وخاصرة هرَّة وقرن أيل وذنب كبش وقوائم بعير، بين كلِّ مَفْصَلَيْن اثنا عشر ذراعًا.
وقيل إنَّ لها وجه رجل وسائرها طير، وقيل لها زغب وريش وجناحان رأسها يلمس السَّحاب، ورجلاها في الأرض ومعها عصا موسى وخاتم سليمان صلَّى الله عليهما وسلَّم.
قوله (إِذَا وَلَدَتِ) لمَّا كان الشَّرط محقَّق الوقوع؛ جاز بلفظ (إذا) الَّتي تدلُّ على الخبر بوقوع مدخولها؛ ولهذا يصحُّ أن يقال إذا قامت القيامة؛ كان كذا، ولا يصحُّ أن يقال إن قامت؛ كان كذا، بل يكفر قائله؛ لأنَّه مشعر بالشَّكِّ فيه.
وجزاؤه محذوف، تقديره فهي؛ أي الولادة شرطه.
إن قلت (إذا وَلَدَتْ) كيفَ وقَعَ بيانًا للاشتراط؟
قلتُ نظرًا إلى المعنى، تقديره ولادة الأمة وتطاول الرُّعاة، كما يقال في قوله تعالى {وَمَنْ دَخَلَهُ كَانَ آمِنًا} [آل عمران97] ؛ أي أمن داخله، والأظهر أن يكون متمحِّضًا لمجرَّد الوقت؛ أي وقت الولادة ووقت التَّطاول.
و (الأَشْرَاطُ) جمعٌ وأقلُّه ثلاثة على الأصحِّ، وذكر اثنين على مذهب من قال أقلُّه اثنان، أو حذف الثَّالث؛ لحصول المقصود بما ذكر، وإنَّما ذكر جمع القلَّة والعلامات أكثر من العشرة؛ لأنَّه قد يستعرض القلَّة للكثرة وبالعكس، أو لعقد جَمْع الكثْرة للفظ الشَّرط، أو لأنَّ الفرق بالقلَّة والكثرة إنَّما هو في النَّكرات لا المعارف، انتهى.
وقال شيخنا الجواب المرضي أنَّ المذكور من الأشراط ثلاثة، وإنَّما بعض الرُّواة اقتصر على اثنين منهما؛ لأنَّه هنا ذكر الولادة والتَّطاول، وفي (كتاب التَّفسير) ذكر الولادة وترؤس الحفاة، وفي رواية محمَّد بن بشر الَّتي أخرج مسلم إسنادها وساق ابن خزيمة لفظها عن ابن حبَّان ذكر الثَّلاثة، وكذا في مُسْتخرج الإسماعيليِّ من طريق ابن علية، وكذا ذكرها عمَّار ابن القعقاع، وَوَقَع مثل ذلك في حديث عمر مع رواية همس ذكر الولادة والتَّطاول فقط، ورواية عثمان بن غياث، وفي رواية سليمان التَّيميِّ ذكر الثَّلاثة، ووافقه عطاء الخراسانيُّ، وكذا ذكر في حديثه ابن عبَّاس وابن عامر.
قوله (رَبَّهَا) إنَّما أطلق الرَّبَّ على غير الله تعالى؛ لأنَّ هذا من باب التَّشديد والمبالغة، أو الرَّسول مخصوصٌ منه، انتهى.
وقد ورد في رواية (ربَّتها) وإدخال التَّاء في ربَّتها يحتمل وجوهًا، منهَا
أن تكون صفة جارية لموصوف مؤنَّث محذوف، وتقديره أن تلد الأمة نفسًا أو نسمة هي ربَّتها، فعلى هذا يشتمل الابن والبنت.
ومنها أن يكون المراد بـ (ربَّتها) البيت، واكتفى بها عن ذكر الابن؛ لأنَّ البنت إذا كانت سيِّدةً لأمِّها ومعتقةً لها كان الابن بطريق الأولى.
ومنها أنَّ النَّبيَّ صلَّى الله عليه وسلَّم كره أن يقول (ربَّها) تعظيمًا لجلاله تعالى، وقد كان عليه السَّلام ينهى عن ذلك زيد ورد النَّهي عنه.
قوله (فِي خَمْسٍ) في غير هذه قيل بمعنى (مع) كما تقول في الدُّعاء واحشرني في زمرتهم، وقيل بمعنى (مَن) أي علم السَّاعة من جملة خمس، وقيل متعلِّق بمحذوف، تقديره ذكر الله تعالى ذلك في جهتين.
ويجد علم ذلك في خمس، قيل هذه التَّقديرات تقتضي أن يذكر في خمس قبل
ج 1 ص 77
قوله (فَأَخْبِرْنِي عَنْ أَمَارَاتِها) فالأولى أن يقال إنَّه في موضع النَّصب على الحال؛ أي تراهم متفكِّرين في خمس لا يعلمهنَّ إلَّا الله، وذلك لأنَّ من شأن الملوك الجهَّال التَّفكُّر في أشياء لا تعنيهم، كاهتمامهم بأن القيامة متى تقوم والمطر متى ينزل وما تلد حليلتي وأيُّ شيء يُصيبني غدًا وكم يكون عمري، وأين تكون وفاتي، فالمعنى ما سألتني عنه من علم السَّاعة تجد ذلك من جملة الأشياء الخمسة الَّتي لا يعلمهنَّ إلَّا الله، أو ما يتفكَّرون منه من خمس لا يعلمهنَّ إلَّا الله، انتهى.
وقال الكرمانيُّ (فِي خَمْسٍ) هو خبر مبتدأ محذوف؛ أي علم وقت السَّاعة في جملة خمس، أو متعلِّق بأعلم.
إن قلتَ من أين استفاد الحصر من الآية حتَّى وافق الحصر الَّذي في الحديث؟
قلتُ من تقديم عنده، وأمَّا بيان الحصر في أخواتها؛ فلا يخفى على العارف بالقواعد.
وأمَّا الانحصار في هذه الخمسة؛ مع أنَّ الأمور الَّتي لا يعلمها إلَّا الله كثيرة، إمَّا لأنَّهم كانوا سألوا الرَّسول صلَّى الله عليه وسلَّم عن هذه الخمسة فنزلت جوابًا لهم، وإمَّا لأنَّها عائدة إلى هذه الخمس.
و (الآيَةَ) بالنَّصب بفعل محذوف؛ أي أعني الآية أو أقرأ، وبالرَّفع بأنَّه مبتدأ وَخَبَرُه محذوف؛ أي الآية مقروءة إلى آخرها.
وبالجرِّ؛ أي إلى الآية؛ أي إلى مقطعها وتمامها، وإذ سأل جبريل عن السَّاعة وهو يعرف أنَّ وقتها غير مَعْلوم؛ لأن لا يطمع أحد في التَطلُّع أو لا.
إشارة (رُعَاةَ) بضمِّ الرَّاء جمع (راعٍ) ، كقضاة وقاضٍ، وفي بعضها (رِعاء) بكسرها جمع أيضًا، كتاجر وتجَّار.
و (البُهْمُ) بضمِّ الباء، ورُوِيَ بجرِّ الميم ورفعها، فمن جرَّ جَعَلَه وصفًا للإبل؛ أي رعاء الإبل السُّود، قالوا وهي شرُّها، ومن رَفَعَ جَعَلَه صفة للرِّعاء؛ أي الرُّعاء السُّود.
قال ابن بطَّال معناه أنَّ ارتفاع الأسافل من العبيد والسَّفلة الجمَّالين وغيرهم من علامات القيامة، قال و (البهم) بفتح الباء خطأ؛ لأنَّه مع ذكر الإبل إذ الفتح في الغنم مُسْتعمل.
قوله (فَلَمْ يَرَوْا شَيْئًا) إنَّما قال شيئًا ولم يقل أحدًا مبالغة؛ يعني ما وجدوا شيئًا منه لا عينًا ولا أثرًا.
قوله (يُعَلِّم النَّاسَ) إن قلتَ هو سائل فقط، والنَّاس تعلَّموا الدِّين من الجواب لا منه؛ قلتُ لمَّا كان هو السَّبب؛ أطلق المُعلِّم عليه؛ لأنَّه كان السَّبب أو لمَّا كان غرضه التَّعليم، أُطلِق عليه.
فائدة قال هنا جعل ذلك كلَّه من الإيمان، وأوَّلًا جعل ذلك كلَّه دينًا، أمَّا جعله دينًا؛ فظاهر حيث قال يعلِّمكم دينكم.
وأمَّا جعله إيمانًا؛ فـ (من) إمَّا تبعيضيَّة، والمراد بالإيمان الإيمان الكامل المعتبر عند الله وعند النَّاس، فلا شكَّ أنَّ الإسلام والإحسان داخلان فيه.
وإمَّا ابتدائيَّة؛ ولا يخفى أنَّ مبدأ الإسلام والإحسان هو الإيمان بالله سبحانه، إذ لولا الإيمان به لم تُتصوَّر العبادة له.
خاتمة قيَّد الزَّكاة بالمفروضة؛ قيل احترز من الزَّكاة المُعَجَّلة قبل الحول، فإنَّها ليست مفروضة حال الأداء، وقيل من صدقة التَّطوُّع، فإنَّها زكاة لغويَّة.
إن قلتَ اتَّفقت رِّوايات المصنف وغيرها على أنَّه عليه السَّلام أخبر الصَّحابة بشأنه بعد أن التمسوه فلم يجدوه، فما الجمع بينها وبين ما وقع في «مسلم» وغيره من حديث عمر في رواية أنس (ثمَّ انطلق) قال عمر (فلبثتُ مليًّا، ثمَّ قال «يا عمر! أتدري من السَّائل؟» قلتُ الله ورسوله أعلم، قال «فإنَّه جبريل» ) ، فالجواب ما قال بعض الشُّرَّاح بأنَّ قوله (فلبثتُ مليًّا) أي زمانًا بعد انصرافه، فكان النَّبيُّ صلَّى الله عليه وسلَّم أعلمهم بذلك بعد مُضِيِّ وقت، لكنَّه في ذلك المجلس لكن يعكر على هذا الجمع.
قوله في رواية النَّسائيِّ والتِّرمذيِّ (فلبثتُ مليًّا) لكن ادَّعى بعضهم فيها التَّصحيف، وأنَّ (مليًّا) صغِّرت ميمها فأشبهت ثلاثًا؛ لأنَّه ما يُكتَب بلا ألف، وهذه الدَّعوى مردودة، فإنَّ في رواية أبي عوانة (فلبثنا ليالي فلقيني رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم بعد ثلاث) ولابن حبَّان (بعد ثلاثة) ، ولابن مندة (بعد ثلاثة أيَّام) ، وجمع «النَّوادر» بين الحديثين بأنَّ عمر لم يحضر قول النَّبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم في المجلس، بل كان ممَّن قام لنا مع الَّذين توجَّهوا في طلب الرَّجل أو لشغل آخر ولم يرجع مع من رجع لعارض عرض له، فأخبر عليه السَّلام الحاضرين في الحال، ولم يتَّفق الإخبار لعمرَ إلَّا بعد ثلاثة أيَّام.
ويدلُّ على ذلك قوله (فلقيني) ، وقوله (فقال لي يا عمر) فوجَّه الخطاب له وحده، بخلاف أخباره الأوَّل، وهو جمعٌ حسن.