49 -قوله (خَرَجَ يُخْبِرُ) يخبر إمَّا استئناف أو حال.
إن قلت الخروج لم يكن في حال الإخبار؛ قلتُ مثله يُسمَّى بالحال المقدَّرة؛ أي خرج مقدِّر الإخبار، نحو {فَادْخُلُوهَا خَالِدِيْنَ} [الزُّمر73] ، ولا شكَّ أنَّ الخروج حالة تقدير الإخبار كالدُّخول حال تقدير الخلود.
قوله (لِأُخْبِرَكُمْ بِلَيْلَةِ القَدْرِ) إن قلت الإخبار متعدٍّ إلى ثلاثة مفاعيل، فأينَ الأخيران منهما؟
قلتُ المفعولان محذوفان، أو (بليلة القدر) هو بمنزلة المفعولين، التَّقدير أخبركم بأنَّ ليلة القدر هي اللَّيلة الفلانيَّة، ولا يجوز أن تكون (بليلة القدر) ثاني المفعولين والثَّالث محذوفًا؛ لأنَّ مفعوله الأوَّل كمفعول (أعطيتُ) والثَّاني والثَّالث كمفعولي (علمتُ) .
قوله (فَرُفِعَتْ) إن قلت كيف نُؤمَر بطلب ما رفع علمه؟
قلتُ المراد طلب التَّعبُّد في مظانِّها، وربَّما يقع العمل مصادقًا لها، لا أنَّه مأمور بطلب العلم بعينها، والأوجه أن يقال معناه رُفِعَت من قلبي؛ أي نسيتها.
فائدة وجه دلالة الحديث على التَّرجمة ربَّما تنجرُّ الملاحاة إلى بطلان العمل، وهو لا يشعر.
واعلم أنَّ التَّرجمة جزآن، فدلالته على الجزء الأوَّل أظهر كالحديث الأوَّل على الجزء الثَّاني، ففيه لفٌّ ونشر.
وإن قلت التَّرجمة أمر واحد؛ فلا بحث فيه.
لطيفة إن أريد بالخبر اسم التَّفضيل؛ فمعناه أنَّ الرَّفع عسى أن يكون خيرًا من عدم الرَّفع من جهة أخرى كمن جهة كونه سببًا لزيادة الاجتهاد المُسْتلزمة لزيادة الثَّواب، وإلَّا فمعناه أنَّ الرَّفع عسى أن يكون خيرًا، وإن كان عدم الرَّفع أزيد خيرًا و أولى منه، ثمَّ إنَّ خيريَّة ذلك كان متحقِّقة وخيريَّة هذا مرجوةً؛ لأنَّ معنى عسى الرَّجاء لا غير.
خاتمة إن قلتَ قال القاضي عيَّاض ففيه دليل على أنَّ الخصومة مذمومة، وأنَّها سبب في العقوبة المعنويَّة؛ أي الحرمان، فكيف تكون المخاصمة في طلب الحقِّ مذمومة؟ الجواب إنَّها كانت كذلك لوقوعها في المسجد وهو محلُّ الذِّكر لا اللغو، ثمَّ في الوقت المخصوص أيضًا بالذِّكر لا اللغو وهو شهر رمضان، فالذَّمُّ لما عرض فيها لا لذاتها، ثمَّ إنَّها مستلزمة لرفع الصَّوت، ورفعه بحضرة الرَّسول عليه السَّلام منهيٌّ عنه؛ لقوله تعالى {لَا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُم} إلى قوله تعالى {أَنْ تَحْبَطَ أَعْمَالُكُمْ} [الحجرات2] الآية، ومن هنا يتَّضح مناسبة هذا الحديث للتَّرجمة ومطابقتها له، وقد خفيت على كثير من المتكلِّمين على هذا الكتاب.
إن قلتَ قوله {وَأَنْتُمْ لَا تَشْعُرُوْنَ} [الحجرات2] يقتضي المؤاخذة بالعمل الَّذي لا قصد فيه؛ قلتُ المراد وأنتم لا تشعرون بالإحباط؛ لاعتقادكم صغر الذَّنب، فقد يعلم المرء الذَّنب ولكن لا يعلم أنَّه كبير، كما قيل في قوله عليه السَّلام «في كبير» أي عندهما، ثمَّ قال «وإنَّه لكبير» في نفس الأمر.
وأجاب القاضي ابن العربيِّ بأنَّ المؤاخذة تحصل بما لم يقصد في الثَّاني إذا قَصَدَ في الأوَّل؛ لأنَّ مراعاة القصد إنَّما هو في الأوَّل ثمَّ يسترسل حكم النِّيَّة الأولى على مؤتنف العمل وإن عزب القصد خيرًا كان أو شرًّا، والله تعالى أعلم.