45 -قوله (اليَهُودِ) كل جمع منسوب إلى جنس، فالفرق بينه وبين واحده بالياء وعدمها، نحو يهود ويهوديٌّ، وروميٌّ وروم.
وسُمُّوا بذلك اشتقاقًا من هادوا؛ أي مالوا عن عبادة العجل، أو من دين موسى أو من هاد إذا رجع من خير إلى شرٍّ ومن شرٍّ إلى خير، لكثرة انتقالهم من مذاهبهم، أو لأنَّهم يتهوَّدون؛ أي يتحرَّكون عند قراءة التَّوراة، وقيل معرَّب من (يهوذا بن يعقوب) بالذَّال المعجمة، ثمَّ نُسِبَ إليه فقيل يهوديٌّ، ثمَّ حُذِفَت الياء في الجمع، فقيل يهود.
قوله (آَيَةُ) مبتدأ، و (فِي كِتَابِكُمْ) صفته، و (تَقْرَؤُونَهَا) صفةٌ أخرى، و (لَوْ عَلَيْنَا) تقديره لو نزلت علينا؛ لأنَّ لو لا تدخل إلَّا على الفعل.
و (نَزَلَتْ) المذكور مفسِّر لنزلت المقدَّر نحو {أَنْتُمْ تَمْلِكُوْنَ} [الإسراء100] ، والجملة الشَّرطيَّة خبر المبتدأ.
أو (آيَةٌ) مبتدأ بتقدير آيةٌ عظيمة، و (فِي كِتَابِكُمْ) خبره، وكذا (تقرؤونها) ، ويُحتمَل أن يكون خبره محذوفًا، وهو (في كتابكم) مقدَّمًا عليه، وفي كتابكم المؤخَّر مفسِّرله.
و (مَعْشَرَ) مَنْصوب على الاختصاص، والمَعْشر الجماعة الَّذين شأنهم واحد.
فائدة {اليَوْمَ أَكْمَلْتُ} [المائدة3] ؛ أي أكملتُ لكم ما تحتاجون إليه في تكليفكم مِن تعليم الحلال والحرام، والتَّوقيف على الشَّرائع وقوانين القياس {وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي} [المائدة3] بذلك أي بإكمال أمر الدِّين؛ لأنَّه لا نعمة أتمَّ من نعمة الإسلام و {رَضِيْتُ لَكُمُ الإِسْلَامَ دِيْنًا} [المائدة3] ؛ بمعنى اخترته لكم من بين الأديان وآذنتكم بأنَّه هو الدِّين المرضيُّ وحده.
قوله (أيُّ آية؟) إن قلت هل فرق بين أن يُقال أيُّ آية؟ وأن يقال ما تلك الآية؟
قلتُ نعم، السُّؤال بـ (أي) إنَّما هو عمَّا يميِّز أحد المتشاركات، وبـ (ما) عن الحقيقة، والغرض ههنا طلب تعيين تلك الآية وتمييزها عن سائر الآيات.
قوله (قَدْ عَرَفْنَا) معناه إنَّا ما أهملناه، ولا خفي علينا زمان نزولها، ولا مكان نزولها وضبطنا جميع ما يتعلَّق بها حتَّى صفة النَّبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم ووضعه في زمان النُّزول وهو كونه قائمًا حينئذ وهو في غاية الضَّبط.
إن قلت عرفة والجمعة يدلَّان على الزَّمان، فما الَّذي يدلُّ على مكان النُّزول؟
قلتُ إمَّا أن يُقال عُلِمَ من عرفة أيضًا، إمَّا لأنَّ زمان الوقوف بعرفة إنَّما هو في عرفات،
ج 1 ص 69
وإمَّا لأنَّ عرفة قد تُطلَق على عرفات أيضًا، فيُراد هنا كلا المعنيين على مَذْهب من جوَّز أعمال اللَّفظ المشترك في مَعْنييه كالشَّافعيِّ وغيره.
أو يُقال إنَّما قال عرفنا المكان، ولكن لم نتعرَّض لتعيينه و (بعرفة) يتعلِّق إمَّا بـ (قائم) أو بـ (نزلت) .
قوله (يَوْمَ جُمُعَةٍ) بضمِّ الميم وإسكانها وفتحها، والفرق بين (فُعْله) ساكن العين، و (فُعَله) متحرِّكة أنَّ السَّاكن بمعنى المفعول، والمتحرِّك بمعنى الفاعل، يُقال رجل ضُحْكة، بسكون الحاء؛ أي مضحوك عليه، وضُحَكة بتحرك الحاء أي ضاحكٌ على غيره، وكذا {هُمَزَةٍ لُّمَزَةٍ} [الهُمَزة1] فمعناها إمَّا مجموع فيه النَّاس، وإمَّا جامع للنَّاس.
صُرِفَت (الجمعة) لأنَّها صفة، ولو جُعِلَت علمًا؛ لامتنع من الصَّرف، بخلاف (عرفة) ، ففيه العلميَّة والتَّأنيث.
فائدة قال ابن الملقِّن قول عمر رضي الله تعالى عنه (قد عرفنا) إلى آخره؛ مَعْناه إنَّا لم نهمل هذا ولا خفي علينا، ومن نزولها ومكانها، ولا تركنا تعظيم ذلك المكان واليوم، أمَّا المكان؛ وهو عرفات، فهو معظَّم الحجِّ الَّذي هو أحد أركان الإسلام، وأمَّا الزَّمان؛ فيوم الجمعة ويوم عرفة، وهو يوم اجتمع فيه فضلان وشرفان، ومَعْلوم تعظيمنا لكلِّ واحدٍ منهمَا، فإذا اجتمعا؛ زاد التَّعظيم فقد اتَّخذنا ذلك اليوم عيدًا وأيَّ عيد فعظَّمناه وعظَّمنا مكان النُّزول.
وقال الكرمانيُّ إن قلت كيف طابق الجواب السُّؤال؟ لأنَّه قال لاتَّخذناه عيدًا، وقال عمر رضي الله تعالى عنه عرفنا أحواله، ولم يقل جعلناه عيدًا.
قلتُ لمَّا بيَّن أنَّ يوم النُّزول كان عرفة، ومن المَشْهور أنَّ اليومَ الَّذي بعدَ عرفة وهوَ عيْد المسلمين، فكأنَّه قال جَعَلناه عيدًا بعد إدراكنا استحقاق ذلكَ اليوم للتَّعبُّد فيه.
إن قلت لِمَ لا جعلوا يوم النُّزول عيدًا؟
قلتُ لأنَّه ثَبَتَ في الصَّحيح أنَّ النُّزولَ بعدَ العَصْر، ولا يتحقَّق العيد إلَّا من أوَّل النَّهار؛ ولهذا قال الفقيه رؤية الهلال بالنَّهار للَّيلة المستقبلة، انتهى.
وقال شيخنا في «الفتح» اكتفى البخاريُّ بالإشارة، وإلَّا ففي «الطَّبرانيِّ» وعند الطَّبريِّ ولفظ الطَّبريِّ نزلت يوم جمعةٍ ويوم عرفة، وكلاهما بحمد الله لنا عيد، وللطَّبرانيِّ هما لنا عيدان.
وقال النَّوويُّ معناه إنَّا ما تركنا تَعْظيم ذلك اليوم والمكانِ، أمَّا المكان؛ فهو عرفات، وهو مُعْظَم الحجِّ الَّذي هو أحد أركان الإسلام، وأمَّا الزَّمان؛ فيوم الجمعة، ويوم عرفة وهو يوم اجتمع فيه فضلان وشرفان، ومعلوم تعظيمنا لكلِّ واحد منهما، فإذا اجتمعا؛ زاد التَّعظيم، فقد اتَّخذنا هذا اليوم عيدًا وعظَّمناه وعظَّمنا مكانه أيضًا.
تنبيه روى التِّرمذيُّ عن عمَّار بن أبي عمَّار قرأ ابن عبَّاس {اليَوْمَ أَكْمَلْتُ} [المائدة2] الآية، وعنده يهوديٌّ، فقال لو أُنزِلَت هذه الآية علينا؛ لاتَّخذنا يومها عيدًا، فقال ابن عبَّاس فإنَّها نزلت في يوم عيدين؛ يوم الجمعة ويوم عرفة.
فائدة إن قلت كيف دلَّت هذه القصَّة على ترجمة الباب؟
قلتُ من جهة أنَّها مُشْتملة على الآية الدَّالَّة عليهَا وعلى أنَّ نزولها في عرفة في حجَّة الوداع الَّتي هي آخر عهد البعثة حين تمَّت الشَّريعةُ وأركانها، وقد جزم السُّدِّيُّ بأنَّه لَمْ ينزل بعد هذه الآية شيء من الحلال والحرام.