فهرس الكتاب

الصفحة 79 من 6723

44 -قوله (قَالَ) إن قلت لم عدل عن أسلوب أخويه حيث قال بلفظ (قال) ، ولم يقل (وقوله تعالى) .

قلتُ لأنَّ الغرض منه ما يلزم منه، وهو بيان النُّقصان، والاستدلال به على أنَّه يدخله النُّقصان فأنَّ الشَّيء إذا قبل أحد الضِّدين لا بدَّ وأن يقبل الضِّد الآخر، لهذا قال فإذا ترك شيئًا من الكمال فهو ناقص بخلاف ما تقدَّم، فإنَّ الغرض منه اثبات الزِّيادة صريحًا لا استلزامًا، فهو مخالف له من جهتين.

وقال ابن بطَّال هذه الآية حجَّة في زيادة الإيمان ونقصانه؛ قاله الكرمانيُّ.

وقال غيره إن قلت قد تقدَّم باب تفاضل أهل الإيمان، وأورد فيه حديث أبي سعيد الخدريِّ بمعنى حديث أنس، فهو تكرار الجواب أنَّ الحديث لمَّا كانت فيه الزِّيادة والنُّقصان باعتبار الأعمال أو باعتبار التَّصديق، ترجم لكلٍّ من الاحتمالين، وخصَّ حديث أبي سعيد بالأعمال لأنَّ سياقه ليس فيه تفاوت بين الموزونات بخلاف حديث أنس ففيه التَّفاوت في الإيمان القائم بالقلب من وزن الشَّعيرة والبرَّة والذَّرَّة.

قال ابن بطَّال التَّفاوت في التَّصديق على قدر العلم والجهل، فمن قلَّ علمه كان تصديقه بمقدار ذرَّة، والَّذي فوقه بالعلم تصديقه بمقدار برَّة أو شعيرة، إلَّا أنَّ التَّصديق الحاصل في قلب كلِّ واحد منهم لا يجوز عليه النُّقصان، ويجوز عليه الزِّيادة بزيادة العلم والمعاينة، انتهى.

الثَّاني إن قلت لما أعاد في هذا الباب الآيتين المذكورتين فيه، وقد تقدَّمتا في أوَّل كتاب الإيمان؛ الجواب إنَّه أعادها ليواطئ بها معنى الكمال المذكور في الآية الثَّالثة؛ لأنَّ الاستدلال بهما نص في الزِّيادة وهو مستلزم للنَّقص، وأمَّا الكمال؛ فليس نصًّا في الزِّيادة، بل هو مستلزم للنَّقص فقط، واستلزامه للنَّقص يستدعي قبوله الزِّيادة.

ومن ثمَّ قال المصنِّف فإذا ترك شيئًا من الكمال؛ فهو ناقص، وهذه النُّكتة عدل في التَّعبير للآية الثَّالثة عن أسلوب الآيتين، حيث قال أوَّلًا (وقول الله) ، وقال ثانيًا وقال بهذا التقرير يندفع اعتراض من اعترض عليه بأنَّ آية {أَكْمَلْتُ لَكُمْ} [المائدة3] لا دليل فيها على مراده؛ لأنَّ الإكمال إن كان بمعنى إظهار الحجَّة على المخالفين أو معنى إظهار أهل الدِّين على المشركين فلا حجَّة للمصنِّف فيه، وإن كان بمعنى إكمال الفرائض؛ لزم عليه أنَّه كان قبل ذلك ناقصًا، وأنَّ من مات من الصَّحابة قبل نزول الآية؛ كان إيمانه ناقصًا، وليس الأمر كذلك؛ لأنَّ الإيمان لم يزل تامًّا، ويوضِّح هذا الاعتراض جواب القاضي أبو بكر ابن العربيِّ بأنَّ النَّقص أمرٌ نسبيٌ لكن منه ما يترتَّب عليه الذَّمُّ، ومنه ما لا يترتَّب.

فالأوَّل ما نقصه بالاختيار، كمن علم وظائف الدِّين ثمَّ تركها عمدًا.

والثَّاني ما نقصه بغير اختيار، كمن لم يعلم أو لم يُكَلَّف، فهذا لا يُذَمُّ، بل يُحمَد من جهة أنَّه كان قلبه مطمئنًّا، فإنَّه لو زِيْد؛ لقبل، ولو كُلِّفَ؛ لعمل، وهذا شأنُ الصَّحابة الَّذين ماتوا قبل نزول القرآن.

ومحصِّله أنَّ النَّقص بالنِّسبة إليهم صوريٌّ ونسبيٌّ، ولهم فيه رتبة الكمال من حيث المعنى، وهذا نظير قول من يقول إنَّ شرع سيِّدنا محمَّد عليه السَّلام أكمل من شرع موسى وعيسى؛ لاشتماله من الأحكام على ما لم يقع في الكتب الَّتي قبله، وَمَع هذا؛ فشرع سيِّدنا موسى في زمانه كان كاملًا، وتجدَّد في شَرْع سيِّدنا عيسى بعده ما تجدَّد، والأكمليَّة أمر نسبيٌّ كما تقرَّر، والله تعالى أعلم.

قوله (يَخْرُجُ) بفتح الياء وضمِّها من الخروج والإخراج.

ج 1 ص 68

قوله (مِنْ خَيْرٍ) أي مِن إيمان، كما جاء في رواية أخرى؛ ولأنَّ الخير بالحقيقة هو ما يُقرِّب العبد إلى الله، وما ذلك إلَّا الإيمان.

إن قلت الوزن إنَّما يُتَصوَّر في الأجسام دون الأجرام، والإيمان معنًى من المعاني لا جسميَّة فيه؛ قلتُ شبَّه الإيمان بالجسم، فأُضيفَ إليه ما هو من لوازم الجسم، وهو الوزن، ومثله يُسمَّى استعارة بالكناية.

إن قلت تنكير (الإيمان) يقتضي أن يكفي أيَّ إيمانٍ كان وبأيِّ شيء كان، لكن لا بدَّ من الإيمان بجميع ما عُلِم مجيء الرَّسول به ضرورة حتَّى يُوجِب الخروج من النَّار؛ قلتُ الإيمان في عرف الشَّرع لا يُطلَق إلَّا إذا كان بجميع ما جاء به، فلا بدَّ من ذلك حتَّى يتحقَّق حقيقة الإيمان، ويصحُّ إطلاقه، وإنَّما ذُكِرَ بالتَّنوين التَّقليليِّ ترغيبًا في تحصيله، إذ لمَّا حصل الخروج بأقلِّ ما ينطلق عليه اسم الإيمان، فبالكثير منه بالطَّريق الأولى.

فإن قلت التَّصديق القلبيُّ كافٍ في الخروج، إذ المؤمن لا يخلد في النَّار، وأمَّا قول (لَا إِلَهَ إِلَّا الله) فلإجراء أحكام الدُّنيا عليه، فما وجه الجمع بينهما؟

قلتُ المسألة مُختَلَف فيها، قال بعض العلماء لا يكفي مجرَّد التَّصديق، بل لا بدَّ من القول والفعل أيضًا، وعليه البخاريُّ.

أو المراد من الخروج هو بحسب حكمنا به؛ أي يحكم بالخروج لمن كان في قلبه إيمانًا ضامًّا إليه غفرانه الَّذي يدلُّ عليه، إذ الكلمة هي شعار الإيمان في الدُّنيا، وعليه مدار الأحكام، فلا بدَّ منهما حتَّى يصحَّ الحكم بالخروج.

إن قلت لا يكفي قول (لا إله إلَّا الله) بل لا بدَّ من ذكر (محمَّد رسول الله) ؛ قلتُ المراد المجموع، وصار الجزء الأوَّل منه علمًا للكلِّ كما يُقال قرأتُ {قُلْ هُوَ اللهُ أَحَدٌ} [الإخلاص1] ؛ أي قرأتُ كلَّ السُّورة، أو كان هذا قبل مشروعيَّة ضمِّها إليه.

فائدة الواسطة بين البخاريِّ وأبان يُحتمَل أن يكون مسلم بن إبراهيم، وأن يكون غيره؛ قاله الكرمانيُّ.

وإنَّما أتى البخاريُّ بهذا لأنَّ قتادة عنعن في الأوَّل، وفي هذا صرَّح بالتَّحديث، وقد أخرج هذا الحاكم في «الأربعين» له و البيهقيُّ في «كتاب الاعتقاد» ؛ قاله شيخنا.

قوله (ذَرَّةٍ) بفتح الذَّال وشدَّة الرَّاء، صحَّفها شعبة وضمَّ الذَّال وخفَّف الرَّاء، وكان سببه المناسبة، إذ هي من الحبوب أيضًا كالبرَّة والشَّعيرة، والكلام من باب التَّرقِّي في الحكم، وإن كان تنزلًا عن الشَّعيرة إلى البُرَّة، وعن البرَّة إلى الذُّرة.

و (أَبَانُ) منصرف كغزال، ومنهم من جعله أفعل، فمنع صرفه لوزن الفعل مع العلميَّة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت