33 - [فائدة في كلام المحبِّ الطَّبريِّ عن ابن عبَّاس كان المنافقون ثلاث مئة رجل وسَبْعين امرأة، وكان ابن أبيٍّ رأس القوم] . [1]
قوله (آيَةُ المُنَافِقِ) علامته، وسمِّيَت آية القرآن لأنَّها علامة انقطاع كلام عن كلام.
إن قلت الآية مفردة، والظَّاهر يقتضي أنَّ مقال الآيات ثلاث قلتُ إمَّا أن يقال [2] كلٌّ من الثَّلاث آية، حتَّى لو وجدت خصلة واحد؛ يكون صاحبها منافقًا، أو أن يقال كلُّ الثَّلاث معًا آيةٌ، حتَّى إذا اجتمعت تكون آية واحدة.
فعلى الأوَّل المراد منها جنس الآية، وعلى الثَّاني معناه الآية اجتماع هذه الثَّلاث.
إشارة (الكذب) الإخبار على خلاف الواقع، والوعد الإخبار بإيصال الخير في المستقبل.
و (الإخلاف) جعل الوعد خلافًا، وقيل هو عدم الوفاء به.
و (الائتمان) جعل الشَّخص أمينًا، ائتمن بصيغة المجهول، وفي بعضها بتشديد الياء، وهو بقلب الهمزة الثَّانية منه واوًا و إبدال الواو ياء وإدغام التاء في التَّاء.
و (الخيانة) التَّصرُّف في الأمانة على خلاف الشَّرع.
قوله (إِذَا حَدَّثَ كَذَبَ) إن قلت الجمل الشَّرطيَّة بيان لـ (ثلاث) أو بدل، لكن لا يصحُّ أن يُقال الآية إذا حدَّث كذب، فما وجهه؟
قلتُ معناه آية المنافق لديه عند تحديثه، وذلك مثل قوله تعالى {فِيْهِ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ مَّقَامُ إِبْرَاهِيْمَ وَمَنْ دَخَلَهُ كَانَ آمِنًا} [آل عمران97] على أحد التَّوجيهات.
فإن قلت الوعد تحدث خاصٍّ فما معنى عطفه على التَّحديث؟ والخاصُّ إذا عُطِفَ على العامِّ لا يخرج من تحت العامِّ، فالآية ثنتان لا ثلاث؛ قلتُ لمَّا كان لازم الوعد الإخلاف الَّذي قد يكون فعلًا وهو غير الكذب الَّذي هو لازم التَّحديث، وهو لا يكون فعلًا؛ جُعِلا متغايرين نظرًا إلى اعتبار تغاير لازميهما، أو جعل الوعد حقيقة أخرى غير داخلة تحت حقيقة التَّحديث على سبيل الادِّعاء؛ لزيادة قبحه، كما يُدَّعَى أنَّ جبريل وميكائيل عليه السَّلام نوع آخر غير الملائكة؛ لزيادة شرفهما، قال المتنبِّي
~فإن تفُقِ الأنام وأنت منهم فإنَّ المسك بعض دم الغزال
وإنَّما خصَّ هذه الثَّلاث بالذِّكر لأنَّها مشتملة على المخالفة الَّتي عليهَا مبنى النِّفاق من مخالفة السِّرِّ العلن.
فائدة النَّوويُّ وليس في الحديث إشكال، إذ معناه أنَّ هذه خصال نفاق، وصاحبها شبيه بالمنافق في هذه، ومتخلِّق بأخلاقهم، إذ النِّفاق إظهار مَا يُبْطِن خلافَه، وهو موجود في صاحب هذه الخصال، ويكون نفاقه خاصًّا في حقِّ من حدَّثه وَوَعَدَه، وائتمنه لا أنَّه منافق في الإسلام مبطنٌ للكفر.
وقال بعض العلماء هذا فيمن كانت هذه الخصال غالبةٌ عليه، فأمَّا من ندر ذلك منه، فليس داخلًا فيه.
وقال الطَّيبيُّ الإتيان بالجملة الشَّرطيَّة مقارنة بـ (إذا) الدَّالَّة على تحقُّق الوقوع تدلُّ على أنَّ هذه عادتهم.
وقال الخطَّابيُّ كلمة (إذا) تقتضي تكرار الفعل.
وأقول وفي كون (إذا) دليلًا على أنَّها عادتهم، أو أنَّها تقتضي تكرارَ الفعل نظر، بل الأَولى أن يقال حَذْفُ المفعول من حدَّث ونحوه يدلُّ على العموم أو الإطلاق، فكأنَّه قال إذا حدَّث في كلِّ شيء كذب فيه، وإذا أوجد ماهيَّة التَّحديث كذب، ولا شكَّ أن مثله منافق في الدِّين.
وقال جماعة المراد به المنافقون الَّذين كانوا في زمن الشَّارع، فحدَّثوا بإيمانهم، فكذَّبوا، ووعدوا في نصر الدِّين؛ فأخلفوا، واؤتمنوا في دينهم فخانوا.
الخطَّابيُّ معناه الإنذار للمسلم والتَّحذير له وأن [لا] يعتاد هذه الخصال؛ خوفًا أن يفضي بها إلى النِّفاق.
وقال النِّفاق ضربان
أحدهما أن يظهر صاحبه الدِّين وهو يبطن الكفر، وعليه كانوا في عهده عليه السَّلام.
والآخر ترك المحافظة على أمور الدِّين سرًّا ومراعاتها عَلَنًا، وهذا أيضًا يُسمَّى نفاقًا، كما جاء «سباب المؤمن فسوق، وقتاله كفر» وإنَّما هو كفر دون كفر، وفسق دون فسق كذلك هو نفاق دون نفاق.
وقال بعضهم ورد الحديث في رجل بعينه منافق، وكان الشَّارع لا يواجههم بصريح القول فيقول فلان منافق، بل يشير إشارة كقوله ما بال أقوام، فههنا أشار بالآية إليه حتَّى يُعرَف ذلك الشَّخص بها.
أقول ولدفع
ج 1 ص 57
الإشكال خمسة أوجه؛ لأنَّ اللَّام إمَّا للجنس، فهو إمَّا على سبيل التَّشْبيه، أو أنَّ المراد الاعتياد أو معناه الإنذار.
وإمَّا للعهد إمَّا من منافقي زمن رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم، وإمَّا منافق خاصٌّ شخص بعينه.
وههنا وجه سادس للدَّفع وهو أنَّ المراد بالنِّفاق هو النِّفاق العمليَّ لا النِّفاق الإيمانيَّ، إذ النِّفاق ضربان كما في كلام الخطَّابيِّ، وأحسن الوجوه هو السَّابع بأنَّ لا يقال النِّفاق شرعيٌّ وهو ما يبطن الكفر ويظهر الإسلام، وعرفي وهو ما يكون سرُّه خلاف علنه، وهذا هو المراد إن شاء الله سبحانه.
لطيفة يُحكَى أنَّ رجلًا من البَصْرة قدم مكَّة حاجًّا، فجَلَس في مَجْلس عطاء بن أبي رباح، فقال سمعتُ الحسن يقول (من كان فيه ثلاث خصال؛ لم أتحرَّج أن أقول أنَّه منافق) فقال له عطاء إذا رجعتَ إلى الحسن فقل له إنَّ عطاء يقول لَك مَا تقول في بني يعقوب إخوة يوسف إذ حدَّثوا فكذبوا، وَوَعدوا فأخلفوا، واؤتمنوا فخانوا؟ أوَ كانوا منافقين؟! فلمَّا قال للحسن؛ سُرَّ الحسن وقال جزاك الله خيرًا، ثمَّ قال لأصحابه إذا سمعتم منِّي حديثًا فاصنعوا مثلما صنع أخوكم، حدِّثوا به العلماء، فما كان صوابًا فَحَسنٌ، وإن كان غير ذلك ردوُّا عليَّ جوابَه.
وعن مقاتل بن حيَّان أنَّه سأل سَعيدَ بن جبَير عن هذا الحديث، وقال هذه مَسْألة قد أفسدت عليَّ مَعيشتي؛ لأنِّي أظنُّ أنَّي لا أَسْلم من هذه الثَّلاث أو من بعضها، فضحكَ سَعيد وقال أهمَّني ما أهمَّك، فأتيت ابنَ عمر وابن عبَّاسٍ، فقصصتُ عليهما فضحكا، وقالا أهمَّنا واللهِ يا ابن أخي مثل مَا أهمَّك من هذا الحديث، فسألنا النَّبيَّ صلَّى الله عليه وسلَّم فضحك وقال «مالكم ولهنَّ؟ أمَّا قولي إذا حدَّث كذب؛ فذلك فيما أنزل الله تعالى {وَاللهُ يَشْهَدُ إِنَّ المُنَافِقِيْنَ لَكَاذِبُونَ} [المنافقون1] ، وأمَّا إذا وَعَد أخلف؛ فذلك في قوله تعالى {فَأَعْقَبَهُمْ نِفَاقًا فِيْ قُلُوْبِهِمْ [إِلَى يَوْمِ يَلْقَوْنَهُ] بِمَا أَخْلَفُوا اللهَ مَا وَعَدُوْهُ} [التَّوبة77] ، وأمَّا إذا اؤتمن خان؛ فذلك فيما أنزل الله تعالى {إِنَّا عَرَضْنَا} [الأحزاب72] الآية، وأنتم براء من ذلك» .
فائدة إن قيل ما وجه الاقتصار على هذه العلامات الثَّلاث؟
فالجواب أنَّها مُنَبِهَةٌ على ما عداها، إذ أصل الدِّيانة منحصر في ثلاث، القول والفعل والنِّيَّة، فنبَّه على فساد القول بالكذب، وعلى فساد الفعل بالخيانة، وعلى فساد النِّيَّة بالخلف؛ لأنَّ خلف الوعد لا يقدح إلا إذا كان العزم عليه مقارنًا للوعد، أمَّا لو كان عازمًا ثمَّ عرض له مانع، أو بدا له رأيٌ لهذا لم توجد منه صورة النِّفاق؛ قاله الغزاليُّ.
وفي «الطَّبرانيِّ» في حديث طويل ما يشهد له ففيه من حديث سلمان إذا وَعَدَ وَهُوَ يحدِّث نفسَه أنَّه يُخلف، وكذا قال في باقي الخصال، وإسناده لا بأس به، ليس فيهم من أجمع على تركه وهو عند أبي داوود والتِّرمذيِّ من حديث زيد بن أرقم مختصر بلفظ إذا وَعَدَ فلم يفي الرَّجل أخاه، ومن نفسه أن يفي فلا إثم عليه.
[1] ما بين معقوفين منقول من الخاتمة (ص 313/أ) .
[2] في الأصل (ينافي) .