فهرس الكتاب

الصفحة 535 من 6723

350 -قوله (الصَّلَاةَ) أي الرُّباعيَّة، وذلك لأنَّ الثَّلاثة وتر صلاة النَّهار، وكرَّر لفظ (الرَّكعتين) ليفيدَ عموم التَّثنيه لكلِّ صلاةٍ؛ لأنَّ قاعدة كلام العرب أن يكرِّر الاسم المراد تقسيم الشَّيء عليه، ولولاه؛ لكان فيه إبهام أنَّ الفريضة في السَفر والحضر ما كانت إلَّا فردٌ ركعتين.

قوله (رَكْعَتَيْنِ) منصوبٌ على الحاليَّة، ولفظ (ركعتين) الثَّاني هو تكرار اللَّفظ الاوَّل، وهما بالحقيقة عبارة عن كلمةٍ واحدةٍ وهي نحو مثنَّى، وذلك نحو المز القائم مقام الحلو الحامض.

فائدة زيادة ركعتين على ركعتين نسخ الأوَّل لا زيادة صلاة، خلافًا لأبي حنيفة؛ قاله السُّهيليُّ، وقال سيِّدي ذكر البخاريُّ هذا الحديث هنا إشارة إلى أنَّها فرضت ليلة الإسراء ركعتين ركعتين، انتهى.

خاتمة

اختلف في هذا النَّقص من الفريضة، هل هو نسخٌ أم لا على قولين أحدهما أنَّه نسخ للعبادة قبل العمل بها؛ وأنكره النَّحَّاس؛ لأنَّ مذهبه أنَّ العبادة لا يجوز نسخها قبل العمل بهَا؛ لأنَّ ذلك عنده مِنْ البداءة وهو محالٌ على الله تعالى، ولأنَّه نُسِخ قبل الوصول إلى المكلَّفين، قال وإنَّما ادَّعى النَّسخ في ذلك نقاشان ليصحِّح بذلك مذهبه أنَّ البيان لا يتأخَّر، وإنَّما هي شفاعةٌ شفعها لأمَّته صلَّى الله عليه وسلَّم، فشفاعته صلَّى الله عليه وسلَّم كانت سببًا للنَّسخ لا مبطلةً لحقيقته.

والمنسوخ حكم التَّبليغ الواجبة عليه قبل النَّسخ، وأمَّا أمَّته؛ فلا نسخ في حقِّهم؛ لعدم وصوله إليهم، ثمَّ هذا خَبَر، فلا يدخله نسخٌ، فأخبر الرَّبُّ تعالى أنَّ على أمَّته خمسين صلاةٍ، ومعناه أنَّها في اللَّوح المحفوظ خمسون، فأوَّلها عليه السَّلام على أنَّها خمسون بالفعل فتبين أنَّها في الثَّواب لا في العمل.

ج 1 ص 243

وقولها (فَأُقِرَّتْ) إلى آخره؛ أي على ركعتين على قرارها.

إن قلتَ فلا يجوز الإتمام فيه، ويجب القصر كما هو مذهب الحنفيَّة؛ قلتُ هذا كلام عائشة رضي الله تعالى عنهَا، وقد يقول عن اجتهادها وبناء على ظنِّها، ثمَّ إنَّه معارضٌ بفعلها حيث أتمَّت الصَّلاة في السَّفر وإفتائها بالإتمام فيه، وبما رُوِيَ عن ابن عبَّاس رضي الله تعالى عنهمَا أنَّها فرضت في الحضر أربعًا أربعًا وفي السَّفر ركعتين.

وإنَّ جبريل عليه السَّلام صبيحة الإسراء جاء إلى رسول الله صلَّى الله عليه وسلم، فأقام له الظُّهر أربعًا، والعصر أربعًا والعشاء أربعًا.

إن قلتَ لمً ما استدللتَ بقوله تعالى {فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ أَنْ تَقْصُرُوا مِنَ الصَّلَاةِ} [النِّساء101] على أنَّ صلاة السَّفر كانت كاملة، إذ لا يُؤمَر بالقصر إلَّا من شيء تامٍّ؛ قلتُ الجواب أن يُقال فرض الصَّلاة كان ركعتين ركعتين، ولمَّا زيد في صلاة الحضر؛ قيل لهم إذا ضربتم في الأرض فصلُّوا ركعتين مثل الفريضة الأولى، ولا جناح عليكم في ذلك، انتهى.

قال ابن الملقِّن في «شرح العمدة» اعلم أنَّ الصَّلاة كانت فرضيَّتها ركعتين ركعتين مدَّة شهرٍ من قدومه عليه السَّلام المدينة، وكانوا يتنفَّلون فرآهم عليه السَّلام، فقال «يا أيُّها النَّاس! اقبلوا فريضة الله فأقرَّت صلاة المسافر، وزِيْدَ في صلاة المقيم لاثنتي عشرة ليلةً في ربيع الآخر بعد قدومه، قاله ابن جرير قال وزعم الواقديِّ أنَّه لا خلاف بين أهل الحجاز فيه.

وقال الماورديُّ كان ذلك في الثَّانية، وفي ابن حيَّان عن عائشة قالت (فُرضَت صلاة السَّفر والحضر ركعتين، فلمَّا أقام رسوا الله في المدينة زيد في صلاة الحضر ركعتان ركعتان، وتُركَت صلاة الفجر؛ لطول القراءة، وصلاة المغرب لأنَّها وتر النَّهار.

وفي «مسلم» عنها فرض الله الصَّلاة حين فرضها ركعتين وفيه مخالفةٌ لفعلها فإنَّها كانت تتمُّ السَّفر، ومخالفٌ لما قاله غيرها من الصَّحابة كعمر وابن عباس وجبير بن مطعم؛ فإنَّهم قالوا إنَّ الصَّلاة فرضت في الحضر أربع مراتٍ وفي السَّفر ركعتين كما في «مسلم» عن ابن عباسٍ.

ويخالفه أيضًا ظاهر الكتاب في قوله تعالى {فَلَيْسَ عَلَيْكُمْ جُنَاحٌ} [النِّساء101] مع قوله عليه السَّلام.

وقد سُئِلَ عن ذلك «صدقة تصدَّق الله بها عليكم، فاقبلوا صدقته» .

وقد رام بعض المتأخِّرين الجمع بين حديث عائشة وابن عبَّاس، فحمل الاوَّل على أوَّل الأمر، والثَّاني على الَّذي استقرَّ على الفرضان، وهو تحكُّم كما قاله القرطبيُّ، مع أنَّه بقي على العذر عن مخالفتها هي وعن معارضة ظاهر الكتاب.

قال ثمَّ يقول أنَّه لو كان الأمر على ما ذكرته عائشة لاستحال عادةً أن تنفرد بنقله دون غيرها، فإنَّه حكمٌ عامٌّ ولم يُسْمَع ذلك قطُّ من غيرها من الصَّحابة، فلا معوِّل عليه.

قلتُ وحكى البيهقيُّ عن الحسن البصريِّ أنَّ أوَّل ما فُرِضَت فرضَت أربعًا، ومنهم من أوَّل قولها (فزيدت في صلاة الحضر) أي في عددها وعدد ركعاتها.

وقولها (أوَّلًا فرضت ركعتين) أي قبل الإسراء؛ لأنَّها كانت كذلك قبل طلوع الشَّمس وقبل غروبها، وهذا قول ابن عبَّاسٍ وعائشة، ومنهم من قال لا يصحُّ فرض الصَّلاة قبل الإسراء، وإنَّما كان ليلة الإسراء، والإسراء كان بعد الهجرة بسنة، ويؤيِّده رواية ابن حبَّان السَّالفة.

وقال بعد ذلك وأمَّا حديث (فرضت الصَّلاة ركعتين) أي أراد الاقتصار فيها فزيد في صلاة الحضر ركعتان على سبيل صحته، وأقرَّت صلاة السَّفر على جواز الاقتصار.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت