349 -إشارة (المعراج) سلَّمٌ تصعد فيه الملائكة والأرواح والأعمال، وقيل هو من أحسن شيء لا تتمالك النَّفس إذا رأته أن تخرج وإليه يشخص بصر المحتضر من حسنه.
اتَّفقتِ الرُّواة على تسميته (إسراء) ، ولم يسمِّه أحدٌ منهم سُرًى، وإن كان أهل اللُّغة قد قالوا سرى وأسرى بمعنى واحد، فدلَّ على أنَّ أهلَ اللُّغة لم يحقِّقوا العبارة، وذلك أنَّ القرَّاء لم يختلفوا في التِّلاوة
ج 1 ص 238
من قوله تعالى {أَسْرَى بِعَبْدِهِ} [الإسراء 1] ولم يقل سَرَى.
وقال {وَاللَّيْلِ إِذَا يَسْرِ} [الفجر 4] ، ولم يقل سرى، فدلَّ على أنَّ السُّرى من (سريت) إذا سرت ليلًا، وهي مؤنَّثة، يقول طالت سراك اللَّيلة، و (الإسراء) متعدٍّ في المعنى، لكن حُذِفَ مفعوله كثيرًا حتَّى ظنَّ أهل اللُّغة أنَّهما بمعنى واحد لمَّا رأوهما غير متعدِّيين إلى مفعولٍ في اللَّفظ.
وإنَّما (أسرى بعبده) أي جعل البراق يسري به، كما يقول (أمضيته) أي جعلته يمضي، لكن كَثُرَ حذف المفعول لقوة الدَّلالة عليه والاستغناء عن ذكره، إذ المقصود بالخير ذكره صلَّى الله عليه وسلَّم لا ذكر الدَّابَّة الَّتي سارت به.
وجاز في قصَّةِ لوطٍ عليه السَّلام أن يُقال له {فَأَسْرِ بِأَهْلِكَ} [هود 81] ؛ أي سربهم، وإن يقرأه بالقطع؛ أي فأسر بهم مَا يتحملون عليه من دابَّة أو نحوها، ولم يتصوَّر ذلك بالنَّبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم، ولا يجوز أن يقال سرى بعبده بوجهٍ مِنَ الوجوهِ، فلذلك لم تأت التِّلاوةُ إلَّا بوجهٍ واحدٍ في هذه القصَّةِ.
وكذلك تسامح النَّحويُّون في الباء والهمزة فجعلوها بمعنًى واحد في حكم التَّعدية، ولو كان مَا قالوه أصلًا؛ لجاز في أمرضته أن يقال مرضت به، وفي أسلمتُ أن يقول سلمت به، وفي أغميته أن يقول غميت به قياسًا على أذهبتُ وذهبتُ ويأب الله ذلك والعالِمون، فإنَّما الباء تعطى مع التَّعدية طرفًا من المشاركة في الفعلِ، ولا تُعْطيه الهمزة.
فإذا قلتَ أقعدتُه، فمعناه جعلته يقعد، ولكنَّك شاركته في القعود فجذبته بيدك إلى الأرض، أو نحو ذلك، فلا بدَّ من طرف من المشاركة.
إذا قلتَ قعدتُ به ودخلتُ به وذهبتُ به بخلاف أدخلته وأذهبته.
فإن قلتَ قال سبحانه {ذَهَبَ اللهُ بِنُوْرِهِمْ} [البقرة 17] وبسمعهم وأبصارهم، وتعالى سبحانه عن أن يُوصَف بالذَّهاب أو يُضاف إليه ظَرْفٌ منه، وإنَّما معناه أذهب نورهم وسمعهم؛ قلتُ في الجواب عن هذا؛ لأنَّ النُّور والسَّمْع والبصر كلٌّ بيده سبحانه، وقد قال {بِيَدِكَ [1] الخَيْرُ} [آل عمران 26] وهذا من الخير الَّذي بيده، وإذا كان بيده؛ فجائزٌ أن يقال ذهب به على المعنى الَّذي يقتضيه قوله سبحانه {بِيَدِكَ الخَيْرُ} [آل عمران 26] كائنًا من كان ذلك المعنى فعليه يُبنَى هذا المعنى الآخر الَّذي في قوله {ذَهَبَ اللهُ بِنُوْرِهِمْ} [البقرة 17] مجازًا كان أو حقيقة.
ألا ترى أنَّه لمَّا ذكر الرِّجس كيف قال {لِيُذْهِبَ عَنْكُمُ الرِّجْسَ} [الأحزاب 33] ، ولم يقل يذهب به، وكذلك قال {وَيُذْهِبَ عَنْكُمْ رِجْزَ الشَّيْطَانِ} [الأنفال 11] تعليمًا لعباده حسن الأدب معه، حتَّى لا يُضاف إلى القدُّوس لفظًا ومعنى شيءٍ من الأرجاس.
وإن كانت خلقًا له وملكًا، فلا يقال هي بيده على الخصوص تحسُّبًا للعبارة وتنزيهًا له، وفي مثل هذا النُّور والسَّمْع والبَصَر يحسن أن يقالَ هي بيده، فحسُنَ على هذا أن يقالَ ذهب به.
وأمَّا (أسرى بعبده) فإنَّ دخول الباء فيه ليس من هذا القبيل، فإنَّه فعلٌ يتعدَّى إلى مفعول، وذلك المفعول المسرى هو الَّذي سرى بالعبد فشاركه في السُّرى كما قد تنافى قعدتُ به ولفاءه أن يعطي المشاركة في الفعل أو في طرف منه فأسند، قاله السُّهيليُّ.
تنبيه قوله (فأتى بِطَسْتٍ مِنْ ذَهَبٍ مملوءة حِكْمَةُ وَإِيْمَانًا) إن قيل كيف الإيمان والحكمة في طست من ذهب والإيمان عَرض والأعراض لا تُوصَف بها إلَّا محلَّها الَّذي تقوم به ولا يجوز
ج 1 ص 239
فيها الانتقال؛ لأنَّ الانتقال من صفة الأجسام لا من صفة الأعراض؛ قلتُ إنَّما عبَّر عمَّا كان في الطَّست بالحكمة والإيمان كما عبَّر عن اللَّبن الَّذي شربه وأعطى فضله عمر رضي الله تعالى عنه بالعلم، فكان تأويل ما أُفرِغ في قلبه حكمةً وإيمانًا.
ولعلَّ الَّذي كان في الطِّست لمَّا شقَّ بطنه عليه السَّلام كان ثلجًا وبردًا كما ذكر في الحديث الأوَّل، فعبَّر عنه في المرَّة الثَّانية بصورته الَّتي رآها؛ لأنَّه في المرَّة الأولى كان طفلًا، فلمَّا رأى الثَّلج في الطِّست الذَّهب؛ اعتقده ثلجًا حتَّى عرف تأويله بعد.
وفي المرَّة [2] الثَّانية كان نبيًّا، فلمَّا رأى طست الذَّهب مملوءًا ثلجًا؛ عرف التَّأويل لحينه، واعتقده في ذلك المقام حكمة وإيمانًا، فكان لفظه في الحديثين على حسب اعتقاده في المقامين، وكان الذَّهب في الحالين جميعًا مناسبًا للمعنى الَّذي قصد به.
فإن نظرتَ إلى لفظ الذَّهب؛ فمطابقٌ للإذهاب، فإنَّ الله تعالى أراد أن يُذهِب عنه الرِّجس ويطهِّره تطهيرًا.
وإن نظرتَ إلى معنى الذَّهب وأوصافه؛ وجدته أنقى شيء وأصفاه، فقد طابق طست الذَّهب ما أريد بالنَّبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم من نقاء قلبه ومن أوصاف الذَّهب أيضًا المطابقة لهذا المقام ثقله ورسوبه، فإنَّه يجعل في الزِّئبق الَّذي هو أثقل الأشياء، فيرسب، فالله سبحانه يقول {إِنَّا سَنُلْقِي عَلَيْكَ قَوْلًا ثَقِيْلًا} [المزَّمِّل 5] ، فقد تطابقت الصِّفة المعقولة والمحسوسة.
ومن أوصاف الذَّهب أيضًا أنَّه لا تأكله النَّار، وكذلك القرآن لا تأكل النَّار يوم القيامة قلبًا وعاه ولا بدنًا عمل به.
ومن أوصاف الذَّهب المناسبة لأوصاف القرآن الوحي أنَّ الأرض لا تبليه، وكذلك القرآن لا يَخْلَق على كثرة الرَّدِّ.
ومن أوصافه أيضًا نفاسته وعزَّته عند النَّاس، وكذلك الحقُّ والقرآن عزيز، قال سبحانه {وَإِنَّهُ لَكِتَابٌ عَزِيْزٌ} [فصِّلت 41] .
فهذا إذا نظرت إلى أوصافه ولفظه، فإن نظرتَ إلى ذاته وظاهره؛ فإنَّه زخرف الدُّنيا وزينتها، وقد فتح بالقرآن والوحي عليه صلَّى الله عليه وسلَّم وأمَّته خزائن الملوك، ثمَّ وعدوا باتِّباع القرآن والوحي قصور الذَّهب والفضَّة في الجنَّة، وكان ذلك الذَّهب يشعر بالذَّهب الَّذي يصل إليه من اتَّبع الحقَّ والقرآن، وأوصافه تشعر بأوصاف الحقِّ والميزان، ولفظه يشعر بإذهاب الرِّجس.
وفي ذكر الطِّست أيضًا وحروف اسمه حكمة يُنظَر إلى قوله تعالى {طس} [النَّمل 1] .
واعلم أنَّه ورد في خبر التابوت والسَّكينة أنَّه كان فيه الطِّست الَّتي غُسِلَت فيه قلوب الأنبياء عليهم السَّلام؛ ذكره الطَّبريُّ، فهذا يدلُّك على أنَّه لم يخصَّ بغسل القلب، انتهى.
وقال ابن الجَوْزيِّ هذا ضرب مثلٍ ليكشف بالمحسوس ما هو معقول.
وقال غيره وأمَّا جعل الحكمة والإيمان في الإناء وإفراغهما مع أنَّه معنيان، وهذه صفة الأجسام فمعناه بكونه أنَّ الطِّست كان فيها متى يحصل به كمال الإيمان والحكمة وزيادةٍ لهما تسمَّى إيمانًا وحكمةً سببًا لها، انتهى.
وهذا من أحسن المجازات، أو أنَّه من باب التَّمثيل، أو قيل له صلَّى الله عليه وسلَّم المعاني كما قيلت لأرواح الأنبياء الدَّارجة بالصُّور الَّتي كانوا عليها.
فائدة ذكر البخاريُّ في (كتاب الصَّلاة وأنواعها) وذكر بعد ذلك (كتاب الزَّكاة) على نسبة مَا جاء في حديث «بني الإسلام على خمس» .
قوله (هِرَقْلَ) فيه وجهان وشافهني شيخنا الأندلسيِّ قاضي حماه بأنَّ فيه ثلاث لغات هرقل بفتح القاف على وزن درهم بفتح الهاء، انتهى، وقد ذكره الجوهريُّ على وزن خِنْدف.
وأبو شقيق في شينه الأوجه الثَّلاثة مناسبة لهذه التَّرجمة أنَّ فيه إشارة إلى أنَّ الصَّلاة فُرضَت عليه قبل الهجرة؛ لأنَّ سفيان لم يلقى الشَّارع بعد الهجرة إلى الوقت الَّذي أجتمع فيه بهرقل لقاءً يتهيأ له معه أن يكون آمرًا له بطريق الحقيقة، والإسراء كان قبل الهجرة، بلا خلاف فظهرت المناسبة.
ج 1 ص 240
قوله (النَّبِيَّ) بالنَّصب مفعول (يعني) ، وبالرَّفع فاعل يأمرنا.
و (الصِّدْقِ) هو القول المطابق للواقع.
و (العَفَافِ) الانكفاف عن المحرَّمات وخوارم المروءة.
فائدة ذكر الكرمانيُّ عن القاضي عياض قيل كان ليلة سبعٍ وعشرين من ربيع الآخر قبل الهجرة بسنة، وقال الزُّهريُّ كان بعد مبعثه عليه السَّلام بخمس سنين وهو الأشبه، إذ لم يختلفوا أنَّ خديجة رضي الله تعالى عنها صلَّت معه بعدَ فرض الصَّلاة عليه، ولا خلاف أنَّها توفِّيَت قبل الهجرة إمَّا بثلاث سنين أو بخمس سنين، انتهى، وذكر سيِّدي فيه أقوالًا، وتقدَّم أوَّله.
قوله (فُرِجَ) بالتَّخفيف، وعليه اقتصر الكرمانيُّ، والتَّشديد، وإنَّما لم يدخلوا من الباب؛ ليكون أوقع في القلب صدق ما جاؤوا به، شيخنا بضمِّ الفاء وبالجيم؛ أي فتح فلم يتعرض لتشديده وتخفيف الجيم.
والحكمة فيه أنَّ الملك انصبَّ إليه من السَّماء انصبابةً واحدةً، ولم يعرج على شيءٍ سواه مبالغة في المناجاة، وتنبيهًا على أنَّ الطَّلب وقع على غير ميعاد.
ويُحتمَل أن يكون السِّرُّ في ذلك التَّمهيد لما وقع من شقِّ صدره، فكأنَّ الملك أراه بانفراج السَّقف والتئامه في الحال كيفية ما سيصنع به لطفًا به وتثبيتًا له.
قوله (سَقْفِ بَيْتِي) أضاف البيت إلى نفسه صلَّى الله عليه وسلَّم بأدنى ملابسة، إذ ثبت أنَّه كان حينئذ في بيت أمِّ هانئ، انتهى.
قلتُ حديث مَسْراه من بيت أمِّ هانئ ضعيفٌ لا ثابتٌ.
إن قلتَ قد رُوِيَ أيضًا أنَّه كان في الحطيم، فكيف الجمع بينهما؛ قلتُ إن كان العروج مرَّتين كما قيل أنَّه كان مرَّة في النَّوم وأخرى في اليقظة؛ فظاهرٌ، وإن قلنا أنَّه مرَّة واحدة؛ فلعلَّه صلَّى الله عليه وسلَّم بعد غسل الصَّدْر دخل بيت أمِّ هانئ ومن ثمَّ عُرِج به على السَّماء.
فائدة في روايةٍ عن أبي إسحاق فنزل عليه صلَّى الله عليه وسلَّم كوكبان، فشقَّ أحدهما بمنقاره جوفه، ومجَّ الآخر فيه بمنقاره ثلجًا أو بَرَدًا أو نحو ذلك، وهي روايةٌ غريبةٌ ذكرها يونس عنه، وهذا الشَّقُّ كان عند حلمه لا في ليلة الإسراء، انتهى.
وفي «المجالسة» للدَّينوريِّ (أقبل عليه عليه السَّلام طيران أبيضان، كأنَّهما بشران) ، وهو كذلك في «المُسْتدرك» ، و «المُسْند» .
قوله (طَسْتٍ) بفتح الطَّاء، وقد يكسر، حكاه ابن الأنباريِّ وصاحب «المطالع» في (الطِّس) ، وقد تُدغَم التَّاء في السِّين، وهي مؤنَّثٌ، وليس فيه على ما توهَّم عليه جواز استعمال إناء الذَّهب لنا، فإنَّه فعل الملائكة، ولا يلزم أن يكون حكمنا حكمهم، أو أنَّه كان قبل تحريمه أواني الذَّهب، وإنَّما ذُكِرَ هنا نظرًا على معناها، وهو الإناء، واستنبط بعضهم منه جواز تحلية المصحف بذهب؛ نقله السُّهيليُّ واستحسنه.
قوله (مُمْتَلِئٍ) هو على معنى الطِّست.
شيخنا (حِكْمَةً وَإِيْمَانًا) على التَّمييز.
قوله (فِي) هو على ظاهره، وفي بعضها به، فهو إمَّا لأنَّ رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم جرَّد من نفسه شخصًا فأشار إليه، وإمَّا أنَّ الرَّاوي نقل كلامه بالمعنى لا بلفظٍ بعينه، انتهى.
و (به) رواية الكشمنيهي وشيخنا، على الالتفات.
قوله (أُرْسِلَ إِلَيْهِ) ظاهره السُّؤال عن أصل رسالته، لكنَّ نبوَّته كانت مشهورةٌ في الملكوت لا يكاد يخفى على خُزَّان السَّماوات وحرَّاسها، فالمراد أرسل إليه للعروج والإسراء، أو كان سؤالهم للاستعجاب بما أنعم الله عليه، أو الاستبشار بعروجه، إذ كان من البيِّن عندهم أنَّ أحدًا من البشر لا يترقَّى إلى أسباب السَّماء من غير أن يأذن الله له، ويأمر ملائكته بإصعاده.
وقال غيره يُحتمَل أن يكون خفي عليهم إرساله لشغلهم بالعبادة حتَّى قيل أنَّ أحدهم لا يعرف من إلى جانبه.
قوله (افْتِحْ) يدلُّ على أنَّ الباب كان مغلقًا، وحكمة التَّحقُّق أنَّ السَّماء لم تفتح إلَّا من أجله، بخلاف ما لو وجده مفتوحًا.
فائدة ذكر ابن حبيب أنَّ بين السَّماء والأرض بحرًا يُسمَّى البحر المكفوف، ثمَّ وصفه، فعلى هذا يكون ذلك البحر انفلق لنبيِّنا صلَّى الله عليه وسلَّم حتَّى جاوزه، وذلك أعظم من انفلاق البحر لموسى صلَّى الله عليه وسلَّم.
تَنْبيه قوله (نَسَمُ بَنِيهِ) قد جاء أنَّ أرواح الكفَّار في سجِّين، فقيل في الأرض السَّابعة، وقيل تحتها، وقيل في سجن، وقيل وادٍ في جهنَّم.
وأرواح المؤمنين منعَّمةٌ في الجنَّة؛ فالجواب يحتمل أنَّها يُعرَض عليه أوقاتًا فوافق عرضها مروره صلَّى الله عليه وسلَّم.
ويحتمل أنَّ كونهم في النَّار والجنَّة إنَّما هو في أوقات دون أوقات، ويُحتمَل أن تكون الجنَّة كانت في جهة يمين آدم عليه السَّلام، والنَّار في جهة شماله، وكلاهما حيث شاء الله تعالى.
ويحتمل أن يقال أنَّ النسم المرئيَّة هي الَّتي لم تدخل الأجساد بعد، وهي مخلوقة قبل الأجساد ومستقرَّها عن يمين آدم وشماله، وقد أُعلِم بما سيصيرون إليه، فلذلك كان يَسْتبشر إذا نظر إلى مَنْ عن يمينه، ويحزن إذا نظر إلى مَنْ عن يساره.
قوله (مَرْحَبًا) مفعولٌ مطلقٌ؛ أي أصبتَ رَحْبًا لا ضيِّقًا.
إشارة في «سيرة ابن هشام» فأصعدني فيه؛ أي المعراج حتَّى انتهى بي إلى بابٍ من أباب السَّماء يقال له (باب الحفظة) ، عليه ملكٌ من الملائكة يقال له إسماعيل، تحت يده اثنا عشر ألف ملك تحت يد كلِّ ملك اثنا عشر ألف ملك، انتهى، ومعناه مطيع الله.
قوله (قُلْتُ لجبريل) مَنْ هذا ظاهره أنِّه سأل عنه بعد أن قال له آدم مرحبًا، ورواية مالك ابن صعصعة بعكس ذلك، وهي المعتمدة فتحمل هذه عليها، إذ ليس في هذه أداة ترتيب.
قوله (لَمْ يُثْبِتْ) أي أبو ذر.
ولفظ (بِإِدْرِيْسَ) متعلِّق بـ (مرَّ) كلفظ بـ (النَّبيِّ) .
إن قلتَ النُّحاة قالوا لا يجوز
ج 1 ص 241
تعلُّق حرفين من جنسٍ واحدٍ بمتعلَّقٍ واحدٍ؛ قلتُ ليسا من جنسٍ واحدٍ؛ لأنَّ الباء الأولى للمصاحبة، والثَّانية للإلصاق.
فائدة إن قلتَ لمَ قال (وَالأَخَ الصَّالِحَ) ولم يقل (الابن الصَّالح) كما قال آدم عليهما السَّلام؛ قلتُ لأنَّ إدريس لم يكن من آباء الرَّسول، وبه استدلَّ قائله عليه، وإن صحَّ أنَّه من آبائه؛ فيحتمل أن يكون قاله لطفًا وتأديبًا وتواضعًا، وهو أخٌ وإن كان أبًا، والأنبياء عليهم السَّلام أخوة والمؤمنون أخوة.
وإنَّما اتَّفقوا على لفظ (الصَّالح) لأنَّه لفظٌ عامٌّ لجميع الخصال الحميدة، فأرادوا وصفه بما يعمَّ كلَّ الفضائل.
إن قلتَ عُلِمَ من لفظ (ثمَّ) التَّرتيب بين منازلهم، فما وجه التَّلفيق بينه وبين ما قال ولم يثبت كيف منازلهم؛ قلتُ إمَّا أنَّ أنسًا لم يروِ هذا عن أبي ذرٍّ، وإمَّا أن يقال لم يلزم منه تعيين منازلهم لبقاء الإبهام فيه؛ لأنَّ بين آدم وإبراهيم عليهما السَّلام ثلاثةً من الأنبياء وأربع من السَّماوات أو خمسة، إذ جاء في بعض الرِّوايات وإبراهيم في السَّابعةِ، وقد وَرَدَ في رواية وسيِّدنا إبراهيم عليه السَّلام في السَّادسة، ولعلَّه وَجَدَه في السَّادسةِ ثمَّ ارتقى إلى السَّابعةِ، وإن كان الإسراء مرَّتين؛ فلا إشكال.
إن قلتَ كيف قال (ثُمَّ مَرَرْتُ) بعد أن قال (فَلَمَّا مَرَّ جِبْرِيْلُ بِالنَّبِيِّ) ؛ قلتُ إمَّا أن يقدَّر قبل (ثمَّ مررت) لفظ قال النَّبيُّ، وإمَّا أن يكون الأوَّل نقلًا بالمعنى، وثَّانيًا نقلًا باللَّفظِ بعينِه.
قوله (ابْنُ حَزْمٍ) هو أبو بكر بن محمَّد، و محمَّد وُلِدَ في عهد النَّبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم.
فائدة قالوا في هذا الإسناد وهمٌ؛ لأنَّ المرادَ من (ابن حَزْم) إمَّا أبو بكر؛ فهو لم يدرك أبا حبَّة، وإمَّا محمَّد، فلم يدرك الزُّهْريَّ.
والجواب أنَّ ابنَ حَزْمٍ رواه مرسلًا حيث لم يَقل سَمعتُ، بل قال بكلمةِ أنَّ عنهما، فلا وهم فيه، هكذا أيضًا في «مسلم» .
و (أَبُو حَبَّةَ) بالموحَّدة على الصَّحيح، أو المثنَّاة من تحت أو التَّنوين.
قوله (لِمُسْتَوًى) المرادُ به المُصْعَد، قال النَّضر بن شميل أتيت أبا ربيعة الأعرابيَّ وهو على سطحٍ فقال استوِ؛ أي اصعد، وقيل هو المكان المستوي، وقيل اللَّام للعلَّة؛ أي علوت لاستعلائه مستوى، أي لرؤيته أو لمطالعته، أو بمعنى إلى، قال تعالى {أَوْحَى لَهَا} [الزَّلزلة 5] أي إليهَا، والمَعْنيان أي الانتهاء والاختصاص كلُّ واحدٍ منهما غير ملائمٍ للغَرَضِ، و (المستوى) بفتح الواو وهو عبارة عن فضاء فيه استواء، و (ظَهَرْتُ) علوت.
قوله (صَرِيْفَ الأَقْلَامِ) يُحتمَل أن يكون قلمًا واحدًا جمعه تعظيمًا، وأن يكون هناك أقلام يكتب ما شاء الله من تقديراته.
قوله (قَالَ ابْنُ حَزْمٍ وَأَنَسُ) الظَّاهر أنَّه من جملة مقول ابن شهاب؛ قاله الكرمانيُّ، وقد صرَّح المزنيُّ في «الأطراف» بأنَّه قول الزُّهريِّ، قاله الكرمانيُّ.
ويُحتمَل أن يكون تعليقًا من البخاريِّ وليس بين أنس رضي الله تعالى عنه وبين رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم ذكر أبي ذرِّ، ولا بين ابن حزم ورسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم ذكر ابن عبَّاس وأبي حَبَّة، فهو إمَّا من قبيل المرسل، وإمَّا أنَّه ترك الواسطة اعتمادًا على ما تقدَّم آنفًا، مع أنَّ الظَّاهر من حال الصَّحابيِّ أنَّه إذا قال قال رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم يكون بدون الواسطة، فلعلَّ أنسًا سمع هذا البعضَ من الحديثِ عن رسولِ الله صلَّى الله عليه وسلَّم، والباقي سَمعه من أبي ذرٍّ رضي الله تعالى عنه.
قوله (إِلَى رَبِّك) أي إلى الموضع الَّذي ناجيت ربَّك أوَّلًا.
و (الشَّطْرُ) هو النِّصف، ففي المراجعة الأولى وضع خمسة وعشرين، وفي الثَّانية ثلاثة عشر، بمعنى تكميل المُنْكسر، إذ لا مَعْنى لوضع بعض صلاةٍ، وفي الثَّالثةِ سَبْعة، وقد يقال المراد به البعض، وهو ظاهرٌ.
ج 1 ص 242
قوله (هِيَ خَمْسٌ) بحسبِ الفعل، و (خَمْسُونَ) بحسبِ الثَّوابِ.
قوله (لَا يُبَدَّلُ القَوْلُ لَدَيَّ) أي قال تعالى لا يبدَّل قول مُسَاواة الخمس الخمسين في الثَّوابِ.
إن قلتَ لمَ لا يكون معناه لا ينقص عن الخمس ولا يبدَّل الخمس إلى أقلَّ من ذلك؛ قلتُ لا يناسب لفظ (استحييتُ من ربِّي) .
إن قلتَ ألم يبدَّل القول لديه [3] حيث جعل الخمسين خمسًا؛ قلتُ معناه لا تبدَّل الإخبارات مثل أنَّ ثواب الخمس خمسون لا التَّكلِيفات، أو لا يبدَّل القضاء المُبْرم لا القضاء المعلَّق الَّذي يمحو الله ما شاء ويثبت منه أو معناه لا يبدَّل القول بعد ذلك.
فائدة إنَّما راجعاه إمَّا لأنَّهما عرفا أنَّ الأمر الأوَّل غير واجِبٍ على سبيل القطع والإبرام، وإمَّا لأنَّهما طَلبا ترحُّمَه على عباده بنسخها.
فائدة قوله (سِدْرَةِ المُنْتَهَى) أي الشَّجرة الَّتي في أعلى السَّماوات، وسُمِّيَت بالمنتهى؛ لأنَّ علم الملائكة ينتهي إليها ولم يجاوزها أحدٌ إلَّا رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم، ولهذا قيل له صلَّى الله عليه وسلَّم مقامان [لم] يعطها الخلائق كلُّهم، أحدهما ليلة المعراج، وثانيهما المقام المحمود.
فائدة في «مسلم» أنَّ سدْرة المنتهى في السَّادسة، وههنا في السَّابعة، فيمكن أن يكونَ أصلُها في السَّادسةِ، ومعظمها في السَّابعة فوق الكلِّ، وإنَّما اختيرت السِّدرة لهذا الأمرِ دونَ غيرِها من الشَّجر؛ لأنَّها تختصُّ بثلاثة أوصافٍ ظلٌّ مديدٌ وطعامٌ لذيذٌ، ورائحةٌ ذكيَّةٌ، فشابهت الإيمانَ الَّذي يَجْمع قولًا وشرعًا وعملًا، فظلُّها من الإيمان بمنزلة العمل لتجاوزه، وطعمها بمنزلة النِّيَّة لكمونه، ورائحتها بمنزلة القول لطهوره؛ قاله شيخ سيِّدي.
قوله (لَا أَدْرِيْ مَا هِيَ) هو كقوله {إِذْ يَغْشَى السِّدْرَةَ مَا يَغْشَى} [النَّجم 16] في أنَّ الإبهام للتَّفخيم والتَّهويل وإن كان مَعْلومًا.
[و (زَمْزَم) غير منصرف.
و (حَبَائِل) عقود اللُّؤلؤ.
قال الخطَّابيُّ وغيره إنَّه مصحَّف، والصَّواب جنابذ جمع (الجنبذ) بضمِّ الجيم وسكون النُّون، وبالموحَّدة وبالمنقَّطة ما ارتفع من الشَّيء واستدار كالقبَّة والعامَّة تقول بفتح الموحَّدة، والظَّاهر أنَّه فارسيٌّ معرَّب.
شيخنا وجدتُ في نسخة معتمدة من رواية أبي ذرٍّ في هذا الموضع جنابذ وأظنه من إصلاح بعض الرُّواة.
قال ابن حزمٍ في أجوبته على مواضع من البخاريِّ.
قلتُ على هاتين اللَّفظتين فلم أجدهما ولا واحدة منهما بالجزم ولا وقفتُ على معناهما.
وفيه إثبات الاستئذان وبيان الأدب في من استئذن بدقِّ الباب ونحوه قيل له من أنت؟ فقال زيد، مثلًا، ولا يقول أنا، إذ لا فائدة فيه لبقاء الإبهام، وإنَّ للسَّماء أبوبًا حقيقةً وحفظةً متوكِّلين بها] [4] .
[1] في الأصل (بيده) ، وكذا في الموضع اللاحق، والمثبت موافق للتلاوة.
[2] في الأصل (المرأة) .
[3] في الأصل (لداه) .
[4] ما بين قوسين من الصَّفحة رقم (131) ، وهنا مكانها الصَّحيح.