297 -إشارة العلاقة بكسر العين.
قوله (يَتَّكِئُ) بالهمزة في الآخر من باب الافتعال، وجملة (وأنا حائض) في محلِّ الحال، إمَّا من فاعل يتَّكئ، وإمَّا من المضاف إليه، وهو ياء المتكلِّم.
إن قلتَ الحال من المضاف إليه ضعيفةٌ؛ قلتُ ذلك إذا لم يكن بين المضاف والمضاف إليه غاية الاتِّصال، وقال تعالى {أَنِ اتَّبِعْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيْمَ حَنِيْفًا} [النَّحل 123] .
فائدة قال ابن الملقِّن وجه مناسبة ذكر البخاريِّ ما ذكر عن أبي وائل في هذا الباب أنَّه لمَّا ذكر جواز حمل الحائض العلاقة الَّتي فيها المصحف نظَّرها بمن يحفظ القرآن، فهو حامله؛ لأنَّه في جوفه، ووجه مناسبة إدخال حديث عائشة رضي الله تعالى عنهَا أنَّ ثيابها بمنزلة العلاقة، والشَّارع صلَّى الله عليه وسلَّم بمنزلة المصحف؛ لأنَّه في جوفه وحامله، انتهى.
قوله (فِي حِجْرِي) في بمعنى على؛ لقوله تعالى {ولأصلِّبنَّكم في جذوع النَّخل} [طه 71] ، وقال تعالى {أَتَوَكَّأُ عَلَيْهَا} [طه 18] ، وفائدة العدول عنه بيان التَّمكُّن فيه كتمكُّن المظروف في الظَّرف.
فائدة قال ابن بطَّال غرض البخاريِّ في هذا الباب أنَّه يدلُّ على جواز حمل الحائض المصحف وقراءتها القرآن؛ لأنَّ المؤمن الحافظ له أكبر أوعيته، وها هو ذا صلَّى الله عليه وسلَّم أفضل المؤمنين في حجر الحائض تاليًا للقرآن، وقد اختلفوا في حمل الحائض والجنب المصحف بعلاقته، فمنهم من جوَّز، وقال لمَّا جاز للجنب والحائض حمل الدَّنانير والدَّراهم الَّتي فيها ذكره تعالى؛ فكذلك المصحف، واحتجَّ بقوله «المؤمن لا ينجس» وبكتابه إلى هرقل، ولو كان حرامًا؛ لما كتب عليه السَّلام إليه بشيءٍ من القرآن وهو يعلم أنَّهم يمسُّونه بأيديهم، وهم أنجاس.
قالوا قد قامت الدَّلالة أنَّ ذكر الله مطلق للجنب والحائض وقراءة القرآن في معنى ذكر الله، ولا حجَّة تفرِّق بينهما، وقال الجمهور لا تمسُّ المصحف حائض ولا جنب، ولا يحمله محدثٌ غير طاهرٌ.
واحتجُّوا بقوله تعالى {لَا يَمَسُّهُ} [الواقعة 79] ، وبكتابه عليه السَّلام إلى عمرو بن حزم «لا يمسُّ المصحف إلَّا طاهر» .
أقول ليس غرض البخاريَّ أن يدلَّ على جواز حمل الحائض المصحف، بل الغرض هو مجرَّد ما ترجم في الباب عليه، وهو جواز نظر القرآن بقرب موضع النَّجاسة، وكيف وكون المؤمن في حجر الحائض لا يدلُّ على جواز الحمل المخلِّ للتَّعظيم، ولا إخلالَ في الاتِّكاء على الحائض، ولهذا جاز حمل الصُّندوق الَّذي فيه الثِّياب والأمتعة سواه اتِّفاقًا ثمَّ أنَّ مثله لا يُسمَّى مسًّا ولا حملًا عرفًا، ولا ممنوع سواها، ثمَّ لا يصحُّ قياس المصحف على الدَّراهم؛ لأنَّه لم يثبت فيها القرآن؛ لقصد الدِّراسة والقراءة، ولهذا لا يجري عليها أحكام القرآن، ولا قياس القراءة على الذِّكر للفرق الظَّاهر بينهما من جهات كقدمه، ولكونه من صفات الله تعالى.
ثمَّ لا احتجاج بمكتوب هرقل؛ لأنَّه لم يثبت فيه القراءة، ولأنَّه كان كقصيدة فارسيَّة فيها ألفاظ عربيَّة لا يُقال أنَّها عربيَّة، إذ الاعتبار بالغالب، ثمَّ جميع هذه الاستدلالات لا تقابل صريح الآية والحديث الَّلذين ذكرهما الجمهور.
فإن قلتَ يُحتمَل أن يُراد به المطهِّر من الشِّرك أو الجنابة؛ قلتُ هو مطلقٌ لا بدَّ أن يُحمَل على الكامل، سيَّما وقد ذُكِر بلفظ المبالغة، فالمقصود المطهَّر من كلِّ الأنجاس والأحداث.
ج 1 ص 209