23 -قوله (بَيْنَمَا) تقدَّم الكلام عليها أوَّل (بدء الوحي) .
قوله (رَأَيْتُ) مشتقٌّ من الرُّؤية بمعنى الإبصار، فـ (يعرضون) حال أو من الرُّؤيا بمعنى العلم، فهو مفعول ثانٍ، والأوَّل هو الظَّاهر، ويُحتمَل رفع (النَّاس) نحو قوله
~رأيتُ النَّاس ينتجعون غيثًا فقلتُ لصَيْدح انتجعي بلالا
والصَّيدح علم ناقة الشَّاعر.
و (يُعْرَضُوْنَ عَلَيَّ) أي يظهرون لي، يقال عَرَض الشَّيء إذا أبداه وأظهره.
(الثديُّ) بضم الثَّاء ويجوز كسرها وكسر الدَّال وتشديد الياء، والبعض بسكون الدَّال جمع ثَدْي، وكذا هو مضبوط في بعض أصولنا.
فائدة تأويله عليه السَّلام ذلك بالدِّين يدلُّ على أنَّ الإيمان الواقع على العمل يُسمَّى دينًا كالإيمان الواقع على القول.
وقال أهل التَّعبير القميص في النَّوم؛ الدِّين، وجرُّه يدلُّ على بقاء آثاره الجميلة وسنَّته الحسنة في المسلمين بعد وفاته؛ ليُقتدَى به.
قال القاضي أخذوه من قوله تعالى {وَثِيَابَكَ فَطَهِّر} [المدَّثِّر4] ؛ يريد نفسك وإصلاح عملك ودينك على تأويل بعضهم؛ لأنَّ العرب تعبِّر عن العفَّة بنقاء الثَّوب والمئزر.
و (قُمْصٌ) بسكون الميم، جمع قميص، كذا هو مضبوط في بعض أصولنا، وكتب تحته أنه بسكون الميم، وفي أصلنا المصري بضمِّ الميم، وقال الكرمانيُّ «قمص» جمع القميص نحو رغيفٍ ورُغُف، ويجمع أيضًا على قمصان وأقمصة، وجرُّه عبارةٌ عمَّا فضل عنه وانتفع النَّاس به بخلاف جرِّه في الدُّنيا بالخيلاء، فإنَّه مذموم.
إن قلت يلزم من الحديث أن يكون عمر أفضل من أبي بكر؛ لأنَّ المراد بالأفضل الأكثر ثوابًا، والأعمال علامات الثَّوابِ فمَّن كان دينه أكثر فثوابه أكثر، وهو خلاف الإجماع.
قلتُ لا يلزم، إذ القسمة غير حاصرة لجواز قسم رابع سلَّمنا انحصار القسمة، لكنْ مَا خصَّص القسم الثَّالث بعمر ولم يحصره عليه.
سلَّمنا التَّخصيص، لكنَّه معارض بالأحاديث الدَّالَّة على أفضليَّة الصِّدِّيق بحيث تواتر القدر المشترك منهَا، ومثله يُسمَّى بالمتواتر من جهة المعنى، فدليلكم آحاد، ودليلنا متواتر.
سلَّمنا التَّساوي بين الدَّليلين، لكنَّ الإجماع منعقد على أفضليَّته، وهو دليلٌ قطعيٌّ، وهذا دليل ظنِّيٌّ، والظَّنُّ لا يعارض القطع، وهذا الجواب يُستفاد من نفس الدَّليل، وهذه قاعدة كلِّيَّة عند أهل المنطق في أمثال هذه الإيرادات، بأن يقال ما أوردته إما مجمع عليه، أو لا، فإن كان؛ فالدليل مخصوص بالإجماع، وإلا؛ فلا يتم الإيراد إذ لا إلزام إلا بالمجمع عليه.
خاتمة
التَّأويل تفسير مَا يَؤُول إليه الشَّيء، والمراد ههنا التَّفسير.
وفي اصطلاح الأصوليِّين التَّأويل تفسير الشَّيء بالوجه المرجوح وقيل هو حمل الظَّاهر على المجمل المرجوح بدليل يصيِّره راجحًا، وهذا اخصُّ منه، والدِّين بالنَّصب والدِّين للإنسان كالقميص له في أنَّه يستره من النَّار ويحجبه عن كلِّ مكروه، كما أنَّ القميص يستر عورة الإنسان، فلعلَّه عليه السَّلام إنَّما أوَّله الدِّين بهذا الاعتبار، والله تعالى أعلم.
وقال السمين وفرَّق النَّاس بين [بين التَّأويل والتَّفسير في الاصطلاح] بأنَّ التَّفسير مقصود على ما لا يعلم إلا بالتَّوقيف كأسباب النُّزول ومدلولات الألفاظ، وليس للرأي فيه مدخل، والتَّأويل يجوز لمن حصلت عنده صفات أهل العلم وأدواتٌ يقدرأن يتكلَّم بها إذا رَجَعَ بها إلى أصول وقواعد انتهى.
وقال غيره التَّأويل صرف الكلام عن ظاهره إلى وجه محتمل، أو جهة برهان قطعيٍّ في القطعيَّات، أو ظنِّيٍّ في الظَّنِّيَات، وقيل هو التَّصرُّف في اللَّفظ بما يكشف عن مقصوده، والتَّفسير هو بيان معنى اللَّفظ الغريبة أوالخفيَّة.