فهرس الكتاب

الصفحة 40 من 6723

22 -إن قلت الحديث يدلُّ على تفاضلهم في ثواب الأعمال؛ لا في نفس الأعمال، إذ المقصودُ منه بيان أنَّ بعضَ المؤمنينَ يَدْخلون الجنَّة أوَّل الامر، وبعضهم يدخلونها آخرًا.

قلتُ يدلُّ على تفاوت النَّاس في الأعمال أيضًا؛ لأنَّ الإيمان إمَّا [1] التَّصديق وهو عمل القلب، وإمَّا التَّصديق مع العمل وعلى التَّقديرين قابل للتَّفاوت، إذ (مِثْقَالَ الحَبَّةِ) إشارة إلى ما هو الأقلُّ منه، أو تفاوت الثَّواب مستلزم لتفاوت الأعمال شرعًا.

ويُحتمَل أن يراد من الأعمال ثواب الأعمال إمَّا تجوُّزًا بإطلاق السَّبب وإرادة المسبِّب، وإمَّا إضمارًا بتقدير لفظ الثَّوابِ مضافًا إليها.

قوله (أَخْرِجُوا) من الإخراج، خطابًا للملائكة، ويجوز من الخروج، وحينئذٍ يكون من كان منادىً؛ أي يا من كان، وفي بعض النُّسخ وُجِدَ بعد لفظ (أخرجوا) لفظ (من النَّار) .

فائدة المثقال وزن مقدَّر، والله سبحانه أعلم بقدره، وليس المراد المقدَّر هذا المعلوم، فقد جاء مبنيًّا وكان في قلبه من الخير ما فوق برَّة

قوله (مِنْ خَرْدَلٍ مِنْ إِيْمَانٍ) الحبَّة من الخردل هنا مثل؛ ليكون عيارًا في المعرفة، وليس بعيار في الوزن فأنَّ الإيمانَ ليس بجسم يحصره الوزن والكيل، ولكن مَا يتشكَّل مع المعقول، فإنَّه يُرَدُّ إلى عيار المحسوس ليُفهَم قاله الخطَّابيُّ.

وقال غيره يجعل عمل العَبْد وهو عَرَض في جسمٍ على مقدار العمل عنده سبحانه، ثمَّ يُوزَن وفيه قوَّة، لا سيَّما على من قال أنَّ المراد بالوزن الأعمال؛ لقوله (من خيرٍ) .

وقال إمام الحرمين الوزن للصُّحف المشتملة على الأعمال، والله سبحانه يزنها على قدر أجور الأعمال وما يتعلَّق بها من ثوابها وعقابها، وجاء به الشَّرع، وليس في العقل ما يحيله.

وقال غيره للوزن معنيان الأول هذا، [و] الثاني يمثُّل الأعراض بالجواهر فيجعل في كفَّة الحسنات جواهر بيض مشرقة، وفي كفَّة السَّيِّئات سود مظلمة.

والمراد بـ (حبَّة الخردل) زيادة على أصل التَّوحيد، وقد جاء به في الصَّحيح بيان ذلك.

إن قلت هل يجوز أن يتعلَّق بفعل واحد حرفا جرٍ من جنس واحد، وهو الكلمة الابتدائيَّة، يعني مِن خردلٍ ومِن إيمان؟

قلتُ لا يجوز و (من خَرْدلٍ) يتعدَّى بحاصل؛ أي حبَّة حاصلة من خردلٍ ومن إيمان يتعلَّق بحاصل

ج 1 ص 44

آخر، أو بقوله (من كان) وإنَّما نكَّر الإيمان لأنَّ المقام مقتضي التَّقليل، ولو عرف لم يبد ذلك.

إن قلت فَيَكْفِيه الإيمان ببعض ما يجبُ الإيمان به؛ لأنَّه إيمانُ مَا.

قلتُ لا يَكْفيه؛ لأنَّه عُلِمَ من عرفِ الشَّرْع أنَّ المرادَ من الإيمان هو الحقيقة المعهودة عُرِّف أو نُكِّر.

قوله (الحَبَّة) قال الكرمانيُّ بزر العشب جمع حِبَبٌ؛ كقربة وقرب ويحتمل أن تكون اللَّام للعهد، ويُراد به حبَّة بقلة الحمقاء لأنَّ شأنه أن ينبت سريعًا على جانب السَّيل، فيلقيه السَّيْل ثمَّ ينبت؛ ولهذا سُمِّيَت الحمقاء، كأنَّه لا تميّز له في اختيار المنبت، انتهى.

وعبارة بعضهم أنَّه بزر البقول ممَّا ليس يقوت، وعبارة المحكم بزور البقول والرَّياحين، انتهى.

إن قلت كيف يعلمون ما في قلوبهم في الدُّنيا من الإيمان ومقداره؟

قلتُ يجعل الله سبحانه لهم علامات يعرفون ذلك بها كما يعلمون كونهم من أهل التَّوحيد.

وفي كلام بعضهم الحبَّة واحدة الحِبَب، كقربة وقرب وهو بزور الرَّياحين، والإصفرار من أحسن ألوان الرَّياحين، وسيِّد رياحين الجنَّة الحنَّاء، وهو أصفر و (مُلْتوية) مُنْعَطِفَةٌ منثنية، وذلك أيضًا يزيد الرَّيحان حسنًا، يعني اهتزازه وتميُّله.

والمعنى أي هذا الَّذي في قلبه مثقال حبَّة من خردل يخرج من هذا الماء حَسَنًا نضرًا خروج هذه الرَّيحانة من جانب السَّيل صفراء ملتوية.

قوله (نَهَرٍ) بفتح الهاء وسكونها، والفتح أفصح.

و (الحَيَا) بالقصر، ومدَّه الأصيليُّ، وأبا عمرو (الحياة) بالجرِّ على الحكاية.

[1] في هامش الأصل من نسخة (إما التصديق مع العمل وإما التصديق فقط) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت