238 -239 - قوله (نَحْنُ الآخِرُونَ) بكسر الخاء جمع الآخر بمعنى المتأخِّر يُذكَر في مقابلة الأوَّل، وبفتح الخاء جمع الآخر أفعل التَّفضيل، وهذا المعنى أعمُّ من الأوَّل، والرِّواية بالكسر فقط.
قوله (لَا يَبُوْلَنَّ) بفتح اللَّام، و (الَّذِيْ لَا يَجْرِيْ) صفة مُبَيِّنة للدَّائم، والمرادُ منه الماء الرَّاكد، وقيل الاحتراز عن (راكد) يجري بَعْضه كالبرك.
وقال ابن الملقِّن في «شرح العمدة» فيه قولان تأكيدٌ لمعنى الدَّوام، وتفسيرٌ له، وبه جزم الشَّيخ تقيُّ الدِّين وغيره.
وفي رواية الحاكم في «تاريخ نيسابور» الماء الرَّاكد الدَّائم.
الثَّاني أنَّه للاحتراز من الماء الَّتي يَجْري بَعْضها دون بعض كالبرك ونحوها.
وأوضح من هذا أن يقال لا يَمْنع أن يُطْلَق على البحار والأنهار الكبار الَّتي لا يَنْقطع ماؤها أنَّها دائمة، بمَعْنى أنَّها غير منقطعٌ ماؤها، والإجماع على أنَّها غير مرادة في هذا الحديث، فيكون قوله (لا يجري) مخرجًا لها من حيث كان يُطْلَق عليها أنَّها دائمةٌ بالمَعْنى المذكور، وهذا أولى من حَمْله على التَّأكيد الَّذي الأصل عدمه، ولأنَّ حملَ الكلام على فائدةٍ جديدةٍ، أولى مِنْ التَّأكيد، لا سيَّما كلام الشَّارع، بَلْ لو لم يأتِ قوله (الَّذي لا يَجْري) ؛ لكان مجملًا لحكم الاشتراك بين الدَّائم والدَّائر، فلا يصحُّ الحَمْل على التَّأكيد.
فائدة روى ابن ماجه وأحمد الماء الرَّاكد، وأحمد رواها بزيادة (ثمَّ يتوضَّأ منه) .
وأصله من الاستدارة، وذلك أنَّ أصحاب الهندسة يقولون إنَّ الماء إذا كان في مكان؛ فإنَّه يكون مستديرًا في الشَّكل، والدَّائم أيضًا من الدَّائر، قيل هو من الأضداد.
قوله (ثُمَّ يَغْتَسِلُ) قال المالكيُّ يجوز فيه الجزم عطفًا على (لا يبولنَّ) لأَّنَّه مجزوم الموضع بـ (لا) الَّتي
ج 1 ص 183
للنَّهي، ولكنَّه بُنِيَ على الفتح؛ لتوكيده بالنُّون، ويجوز فيه الرَّفع على تقدير ثمَّ هو يغتسل منه.
والنَّصب على إضمار (أنَّ) وإعطاء (ثمَّ) حكم واو الجمع نظيره في جواز الأوجه الثَّلاثة، التِّلاوة في قوله تعالى {ثُمَّ يُدْرِكْهُ المَوْتُ} [النِّساء100] ، فإنَّه قُرِئَ بالجزم، وهو الَّذي قرأ به السَّبْعة، وبالرَّفع والنَّصب على الشُّذوذ.
قال النَّوويُّ لا يجوز النَّصْب؛ لأنَّه يقتضي أنَّ المنهيَّ عنه الجمع بينهما دونَ إفراد أحدهما، وهذا لم يقله أحد، بل البول فيه منهيٌّ عنه سواءٌ أراد الاغتسال فيه أو منه أو لا.
أقول لا يقتضي الجمع، إذ لا يريد بتشبيهه ثمَّ بالواو المشابهة من جميع الوجوه، بل في جواز النَّصْب بعدَه فقط.
سلَّمنا، لكن لا يضرُّ إذ كون الجمع مَنْهيًّا؛ يُعلَم من هنا، وكون الإفراد مَنْهيًّا من دليلٍ آخر، لقوله تعالى {وَلَا تَلْبِسُوا الحَقَّ بِالبَاطِلِ وَتَكْتُمُوا الحَقَّ} [البقرة42] على تقدير النَّصب، انتهى.
وقال ابن هشام في (المغني) إنَّما أراد ابن مالك إعطاءها حكمها في النَّصْب لا في المعيَّة، وقد أمعنتُ الكلام على هذا المكان في الإعراب المسمَّى بـ «النَّاظر على الجامع»
فائدة قال بعض علماء العصر إن قيل ما مناسبة التَّرجمة لصدر الحديث، وما مناسبة صدر الحديث لآخره؛ قلتُ أمَّا مناسبة التَّرجمة؛ فله وجهان
أحدهما إنَّ من عادة المحدِّثين ذكر الحديث جملة؛ لتضمُّنه موضع الدَّلالة المطلوبة، ولا تكون باقيةً مقصودًا بالاستدلال، وإنَّما جاء تبعًا لموضع الدَّليل.
الثَّاني إنَّ حديث «نحن الآخرون .. » أوَّل حديثٍ في صحيفة همام عن أبي هريرة، وكان همام إذا روى الصَّحيفة يستفتح بذكره، ثمَّ يسرد الأحاديث فوافقه البخاريُّ ههنا.
وأمَّا مناسبة صَدر الحديث لآخره؛ فوجهه أنَّ هذه الأمَّة آخر من يُدفَن من الأمم، وأوَّل من يَخْرج منهَا؛ لأنَّ الأرضَ لهم وعاء، والوعاء آخر ما يُوضَع فيه أوَّل ما يخرج منه، فكذلك الماء الرَّاكد آخر ما يقع فيه من البول أوَّل مَا يصادف أعضاء المتطهِّر منه، فيَنْبغي أن يجتنب ذلك ولا يفعله، وكلفة الكلفة في وجهه لا تخفى عليك، انتهى.
وقال ابن بطَّال وأمَّا إدخال البخاريِّ في أوَّل الحديث «نحن الآخرون السَّابقون» ممكن، والله تعالى أعلم أن يكون سمع أبو هريرةَ ذلك من النَّبيِّ صلَّى الله عليه وسلَّم في نسقٍ واحدٍ فحدَّث بهما جميعًا كما سمعهما.
وقد ذكر فعله في (كتاب الجهاد) وغيره، ويمكن أن يكونَ همام فَعَل ذلك؛ لأنَّه سمع من أبي هريرةَ أحاديث من أوائلها «نحن الآخِرون السَّابقون» فذكرها على التَّرتيب الَّذي سمعه مِن أبي هريرة.
خاتمة
قال الخطَّابيُّ الماء الدَّائم هو الرَّاكد الَّذي لا يَجْري، كما جاء تفسيره في الحديث (وهو الَّذي لا يجري) يُقال دام الشَّيء؛ إذا سكن، ودامت القدر؛ إذا سكن غليها.
قال وفيه دليلٌ على أنَّ حكم الماء الجاري بخلافِ الرَّاكد؛ لأنَّ الشَّيء إذا ذُكِرَ بأخصِّ أوصافه؛ كان حكم مَا عداه بخلافه، والمعنى فيه أنَّ الجاري إذا خالطه النَّجس دفعه الجزء الثَّاني الَّذي يتلوه منه، فيغلبه فيصير في مَعْنى المستهلك ويخلفه الطَّاهر الَّذي لم يخالطه النَّجس، والرَّاكد لا يدفع النَّجس عن نفسه إذا خالطه، ولكن يداخله فمهما أراد استعمال شيء منه؛ كان النَّجس فيه قائمًا، والماء في حدِّ القلَّة، فكان محرَّمًا.
وقال العلماء النَّهي عن البول في الماء الدَّائم مردودٌ إلى الأصول، فإن كان الماء كثيرًا؛ فالنَّهي عن ذلك كان على وجه النَّزاهة؛ لأنَّ الماء على الطَّهارة حتَّى تتغيَّر أحد أوصافه، وإن كان قليلًا؛ فالنَّهي عن الوجوب؛ لفسادِ الماءِ بالنَّجاسات.
وقالوا ولم يأخذ أحدٌ مِنْ الفقهاء بظاهرِ هذا الحديث إلَّا داود الظَّاهري فإنَّه يقال النَّهي مختصٌّ بالبول، والغائط ليس كالبول، ومختصٌّ ببول نفسه، وجاز لغير البائل أن يتوضَّأ بما بال فيه غيره، وجاز أيضًا للبائل إذا بال في إناءٍ ثمَّ صبَّه في الماء، أو بال بقرب الماء وجرى إليه، وهو من أقبح مَا نُقِل عنه في الحمل على الظَّاهر.
إشارة الألف واللَّام في (الماء) لبيان حقيقة الجنس، ويقال فيها أيضًا للمح الحَقيقة، كما يُقال ذلك في نحو أكلتُ الخبز وشربتُ الماء، وليست للجنس الشَّامل، إذ لا يُنْهى الإنسان عن البول في جميع مياه الأرض، إذا النَّهي إنَّما يتعلَّق بالممكن دون المُسْتحيل، ويجوز أن تكون للعَهْد الذِّهنيِّ؛ قاله ابن الملقِّن.