237 -قوله (حَدَّثَنَا أَحْمَدُ بْنُ مُحَمَّدٍ) هو المروزيُّ أبو العبَّاس، المَعْروف بمردويه؛ قاله الكرمانيُّ.
أقول هكذا قاله أبو عبد الله النَّيسابوريُّ، وقال الدَّار قطني هو أحمد بن محمَّد بن ثابت؛ قاله الغسَّانيُّ.
وذكر ابن الملقِّن قولًا ثالثًا أنَّه لا يعرف نقلةً عن أبي أحمد بن عدي.
قوله (كَلْمٍ) وفي بعضها (كلمة) .
قوله (يَكْلَمُهُ) أي يُكلَم به، فحذف الجارَّ وأوصل المجرور إلى الفعل، و (الُمسْلِمُ) هو مفعول ما لم يُسَمَّ فاعله.
قوله (كَهَيْئَتِهَا) أي كهيئة الكَلْمة، ويجوز تأنيث الكَلْم أيضًا باعتبار الجراحةِ.
قوله (إِذْ طُعِنَتْ) إن قلتَ مَا وجه التَّأنيث والمَطعون هو (المسلم) ؛ قلتُ أصلُه طُعِنَ بها، وقد حذف الجارَّ ثمَّ أوصل الضَّميرَ المجرور بالفعلِ، وصار المنفصل متَّصلًا، وفي بعض النُّسخ وجميع نسخ مسلم (إِذْا طُعِنَتَ) ، وإذا للاستقبال، ولا يصحُّ المَعْنى عليه، لكن هو هَهنا لمجرَّد الظَّرْفيَّة، أوْ هو بمَعْنى إذ، وقد تتعارضانِ، أو هو لاستحضار صورة الطَّعن، إذ الاستحضار كما يكون بصريح لفظ المضارع كما في قوله تعالى {وَاللهُ الَّذِيْ أَرْسَلَ الرِّيَاحَ فَتُثِيْرُ سَحَابًا} [فاطر 9] .
يكون أيضًا بما في مَعْنى المضارع كما نحن فيه.
إشارة الحكمة في كونه يوم القيامة على هيئة أن يكونَ معه شاهد فضيلته وبذله نفسه في طاعته تعالى.
إن قلتَ مَا وجهُ مناسبة هذا الحديث بالتَّرجمة؟
قلتُ من جهةِ المسك، فإنَّ أصلَه دمٌ انعقد، وفضلةٌ نجسةٌ من الغزال فيقتضي أن يكون نجسًا كسائر الدِّماء وكسائر الفضلات فأراد البخاريُّ أن يبين طهارته بمدح الرسول صلَّى الله عليه وسلَّم كما بيَّن طهارة عظم الفيل بالأثر، فظهرت المناسبة غايةَ الظُّهور، وإن استشكله القومُ غاية الإشكال؛ قاله الكرمانيُّ.
ورأيتُ منقولًا عن شيخ الإسلام تقيِّ الدِّين السُّبْكيِّ أنَّه أجاب عن وجه استدلال البخاريِّ بحديث «مَا من مَكْلوم ... » الحديث في (باب ما يقعُ من النَّجاسات) التَّرجمة، قال إنَّه أشار إلى اختلاف النَّاس فيما يُعتبَر في تغيُّر الماء في صفات الطَّعم واللَّون والرَّائحة، حيث أطلق في الحديث اسمَ الدَّم مع أنَّ رائحته رائحة المسك، هذا مع ما يُعلَم من إشكالاتِ تبويبات البخاريِّ حتَّى كان بعض شيوخنا يقول إنَّ البخاريَّ كان يتوقَّع زيادةً في الكتاب بدليل ذكره أبوابًا مَفْتوحة لا أحاديث فيها، انتهى.
وقال ابن بطَّال قولُ الزُّهريِّ (لا بأسَ بالماء مَا لم يغيِّره طعم) هو مَذْهب أهل المدينة قد استُنبِط من حديثِ الدَّم، ووجه الدَّلالة فيه أنَّه لمَّا انتقل حكم الدَّم بطيب الرَّائحة من النَّجاسةِ إلى الطَّهارة حين حكم له في الآخرة بحكم المسكِ الطَّاهر وجب أن ينتقل الماء الطاهر بخبيث الرَّائحة إذا حلَّت فيه نجاسةٌ مِن حكم الطَّهارة إلى النَّجاسةِ.
وإنَّما ذكر البخاريُّ حكم الدَّم في باب نجاسة الماء؛ لأنَّه لم يجد حديثًا صحيح السَّنَد في الماء، فاستدلَّ على حكم الماء المائع بحكم الدَّم المائع، وذلك المَعْنى الجامع بينَهما.
قال بعض العلماء مَقْصودُ البخاريِّ من الآثار المذكورة أنَّ الماء إذا لم يتغيَّر بنجاسةٍ؛ فهو باق على طهارتهِ، كما هُوَ مَذْهب مالك.
ومَقْصوده بحديث الدَّم تأكيد ذلك بأنَّ تبدُّل الصِّفة يؤثِّر في الموصوف، فكما أنَّ تغير صفة الدَّم بالرَّائحة إلى طيب المسك أخرجه من النَّجاسة إلى الطَّهارة؛ فكذلك تغيُّر صفة الماء إذا تغيَّر بالنَّجاسة؛ تخرجه من صفة الطَّهارة إلى صفة النَّجاسة، فإذا لم يوجد التَّغْير؛ لم توجد النَّجاسة.
فنقول للبخاريِّ لا يلزم من وجود الشَّيء عند الشَّيء أن لا يوجد عند عَدَمه لجواز مقتضىً آخر، ولا يلزم من كونه خَرَجَ بالتَّغيير إلى النَّجاسةِ أن لا يخرج إلَّا به؛ لاحتمال وصفٍ آخر يخرج به عن الطَّهارة لمجرَّد الملاقاة، انتهى.