120 -إشارة (البُلْعُومُ) بضمِّ الموحَّدة مجرى الطَّعام في الحلق، وهو المري.
وقال الفقهاء الحلقوم مجرى النَّفس، والمريء مجرى الطَّعام والشَّراب، وهو تحت الحلقوم، فالبلعوم تحت الحلقوم.
ابن بطَّال البلعوم الحلقوم، وهو مجرى النَّفس إلى المري، والمري مجرى الطَّعام والشَّراب إلى المعدة يتَّصل بالحلقوم.
قوله (ووِعَاءَيْنِ) تَنْبيه الوعاء الظَّرُف الَّذي يُحفَظ فيه الشَّيء، وأطلق المحلَّ وأراد الحال؛ أي نوعين من العلوم.
ويُحتمَل أن يكونَ أراد لو كتبتُ؛ لاحتمال أن يمتلئ منه وعاءين؛ لأنَّه كان لا يكتب كما تقدَّم.
و (الوعاء) بكسر الواو وضمِّها [1] .
خاتمة هذا الحديث هو قطب مدار استدلالات الصُّوفيَّة في الشَّطحيَّاتِ، فإنَّ أبا هريرةَ رضي الله تعالى عنه عريف أهل الصِفَّة الَّذين هم شيوخنا في الطَّريقة عالمٌ بذلك قائلٌ به ويقول لو بُحْتُ به؛ لفعل بي ما ذكر قالوا المراد بالأوَّل علم الأحكام والأخلاق، وبالثَّاني علم الأسرار المصون عن الأعيان [2] المختصِّ بالعلماء بالله تعالى، قال قائلهم [من البسيط]
~يا رب جوهر علم لو أبوح به لقيل لي أنت ممَّن تعبد الوثنا
~ولاستحلَّ رجالٌ مسلمون دمي يرون أقبح ما يأتونه حسنا [3]
وقال بعضهم العلم المكنون والسِّرُّ المصون علمنا، وهو نتيجة الخدمة وثمرة الحكمة، لا يظفر به إلَّا الغوَّاصون في بحار المجاهدات، ولا يستعذ بها إلَّا المُصْطفون بأنوار المشاهدات، إذ هو أسرار متمكِّنة في القلوب، لا تظهر إلَّا بالرِّياضة، وأنوار ملمَّعة في الغيوب، لا تنكشف إلَّا للرِّياضة.
أقول نِعْمَ ما قال، لكن يشترط ألَّا تدفعه القواعد الإسلاميَّة، ولا تنفيه القوانين الإيمانيَّة، إذ ما بعد الحقِّ إلَّا الضَّلال.
تنبيه بعد مقطوع الإضافة مَبْنيًّا على الضَّمِّ؛ لأنَّ الإضافة منويَّة فيه.
إن قلتَ النِّسيان من لوازم الإنسان حتَّى قيل أنَّه مُشْتقٌّ من النِّسيان، فما معناه؟
قلتُ هذا من بركة رسول اللهِ صلَّى الله عليه وسلَّم، وهو معجزةٌ ظاهرةٌ.
ورأيتُ في نسخة من هذا الشَّرح إن قيل الوعاء في كلام العرب الظَّرف الَّذي يُجمَع فيه الشَّيء؛ فهو معارضٌ لما تقدَّم ممَّا قال؛ أي لا أكتب، وكان عبد الله بن عمرو يكتب؛ أجيب بأنَّ المرادَ أنَّ الَّذي حُفِظَ من النَّبيِّ عليه السَّلام من السُّنن الَّتي حدَّث بها، وحُمِلَت عنه لو كُتِبَت لاحتمل أن يُملأ منها وعاء، وما كتمه من أحاديث الفتن الَّذي لو حدَّث بها لقطع البلعوم؛ لاحتمل أن يملأ وعاءً آخر، ولهذا المعنى قال (وعاءين) ولم يقل وعاءٌ واحدٌ؛ لاختلاف حكم المحفوظ في الإعلام به والسَّتر له، انتهى.
ج 1 ص 124
[1] لم أقف على رواية الضم، أما رواية الكسر فراجع «الكواكب الدراري» (2/ 137) ، «عمدة القاري» (2/ 185) .
[2] كذا في الأصل، وفي مصدره (الأغيار) .
[3] «الكواكب الدراري» (2/ 138) .