107 - (قَالَ) هو بدلٌ عن النَّبيِّ عليه السَّلام؛ يعني ذكر قال النَّبيُّ عليه السَّلام، وليس ذكر مشتقًا من الذِّكر الَّذي هو بعد النِّسيان.
قوله (لَكِنِّي [1] ) إن قلتَ شرط لكن أن يتوسَّط بين كلامين متغايرين، فما هما ههنا؟
قلتُ لازم عدم المفارقة السَّماع، ولازم السَّماع التَّحديث عادةً، ولازم الحديث الَّذي ذكره في الجواب عدم التَّحديث، فبيَّن اللَّازمين منافاة فضلًا عن المغايرة.
قوله (فَلْيَتَبَوَّأْ) بكسر اللَّام هو الأصلُ، وبالسُّكون هو المشهور [2] .
تَنْبيه صيغة أفعل ترد لستة عشر معنًى، وقد زاد على هذا العدد ابن السبكيِّ الإيجاب، النَّدب، الإرشاد، الإباحة، التَّهديد، الامتنان، الإكرام، التَّسخير، التَّعجيز، الإهانة، التَّسوية، الدُّعاء، التَّمني، الاحتقار، التَّكوين، الخير وعكسه، {وَالوَالِدَاتُ يُرْضِعْنَ} [البقرة233] ، ولا تنكح المرأة المرأة، وزاد ابن السبكيِّ على ذلك فانظره.
(باب إثم) الترجمة
إن قيل (الْكذب) مَعْصية إلَّا ما استُثنى في الإصلاح وغيره، والمعاصي قد توعِّد عليها بالنَّار فما الَّذي امتاز به الكاذب على رسول الله صلَّى الله عليه وسلَّم من الوعيد على من كذب على غيره؟
والجواب من وَجْهين
أحدُهما أنَّ الكذب على من يَكْفر معتمده عند الجوينيِّ لكن ضعَّفه ولده ومَنْ بعده، مال ابن المنيِّر إلى اختياره، ووجهه أنَّ الكاذب عليه في تحليل حرام مثلًا لا ينفكُّ على استحلال ذلك الحرام، أو الحمل على استحلاله، واستحلال الحرام كفر، والحمل على الكفر كفر، وفيما قاله نظرٌ لا يخفى، والجمهور على أنَّه لا يكفر إلَّا إن اعتقد حلَّ ذلك.
الثَّاني أنَّ الكذب على النَّبيِّ والكذب على غيره صغيرة، فافترقا، ولا يلزم من استواء الوعد في حقِّ من كذب عليه أو كذب على غيره أن يكون مقرُّهما واحدًا، أو طول إقامتهما سواءٌ، فقد دلَّ قوله عليه السَّلام (فليتبوَّأ) على طول الإقامة فيها بل ظاهره أنَّه لا يخرج منها؛ لأنَّه لم يجعل له منزلًا غيره، إلَّا أنَّ الأدلَّة القطعيَّة قامت على أنَّ الخلود التَّأبيد مختصٌ بالكافر، وقد فرَّق عليه السَّلام بين الكذب عليه وبين الكذب على غيره، كما في حديث المغيرة يقول إنَّ كذبًا عليَّ ليس ككذب على أحد، انتهى.
ج 1 ص 116
الكرمانيُّ إن قلتَ هل فرق بين كذب عليه وكذب له، أم الحكم فيهما سواءٌ؟
قلتُ معنى كذب عليه نسبة الكلام إليه كاذبًا، سواءٌ كان عليه أم له.
إن قلتَ الكذب داخل تحت الكذب على الشَّارع أم لا؟
قلتُ نعم، إذ المراد من الكذب عليه الكذب في أحكام الدِّين.
إن قلتَ الكذب من حيث هو معصية فكلُّ كاذب عاصٍ يلج النَّار، فما فائدة لفظ (عليَّ) فإنَّ الحكم عامٌّ في كلِّ من يكذب على أحد.
قلتُ لا شكَّ أنَّ الكذب على الشَّارع أشدُّ من الكذب على غيره؛ لكونه مقتضيًا شرعًا عامًّا باقيًا إلى يوم القيامة، فخُصِّص بالذِّكر لذلك، أو الكذب عليه كبيرة وعلى غيره صغيرة، والصَّغائر مكفِّرة عند الاجتناب عن الكبائر، أو المراد من قوله {وَمَنْ يَعْصِ اللهَ} [النِّساء14] الكبيرة.
إن قلتَ الشَّرط سبب للجزاء، فكيف يتصوَّر سببيَّة الكذب للأمر بالولوج، نعم إنَّه سبب للولوج نفسه.
قلتُ هو سَبَبٌ للازمه؛ لأنَّ لازم الأمر الإلزام، وكون الكذب سببًا لإلزام الولوج معنًى صحيح.
فائدة حديث الزُّبير رضي الله تعالى عنه من أفراد البخاريِّ، وزاد فيه أبو داود متعمَّدًا، والمحفوظ في «البخاريِّ» و «النَّسائيِّ» [3] حذفها.
إشارة (أَمَا) مخفَّفة الميم من حروف التَّنبيه، و (إِنَّي) بكسر الهمزة، و (لَمْ أُفَارِقْهُ) أراد به المفارقة العرفيَّة؛ أي ما فارقه سفرًا وحضرًا على عادة من يلازم الملوك، وهاجر إلى الحبشة قبل ظهور شوكة الإسلام؛ أي ما فارقت عند ظهوره، أو في أكثر الأحوال.
وقوله (لَكِنِّي [4] ) تقَّدم لكنَّني، ويجوز في إنَّ وأخواتها إلحاق نون الوقاية بها وعدم الإلحاق، والمناسب لـ (سمعتُ) قال ليتوافقا مضيًّا، فالفائدة في العدول إلى المضارع استحضار صورة القول للحاضرين والحكاية عنها، كأنَّه يريهم أنَّه قائل به الآن، و (التَّبؤ) اتِّخاذ المباءة؛ أي المثول، يُقال تبوَّأ الرَّجل المكان إذا اتَّخذه موضعًا لمقامه.
الخطَّابيُّ ظاهره أمرٌ، ومعناه خبرٌ، يريد أنَّ الله يبوِّئه مقعده من النَّار، ولم يخفِ الزُّبير على نَفْسه من الحديث أن يكذب فيه عمدًا، ولكنَّه خاف أن يزلَّ أو يخطئ، فيكون ما يجري من الغلط فيه كذبًا، إذ لم يتيقَّن أنَّ الشَّارع قد قاله.
ابن بطَّال قيل التَّبؤ إن كان إلى الكاذب؛ فلا شكَّ أنَّه لا يبوِّئ نفسه وله إلى تركه سبيل، وإن كان إلى الله؛ فأمر العبد بما لا سبيل إليه غير جائزٍ، وأجيب بأنَّه معنى الدُّعاء؛ أي بوَّأه الله.
الطَّيبيُّ الأمر بالتَّبؤ تهكُّم وتغليظ، إذ لو قيل كان مَقْعده في النَّار؛ لم يكن كذلك [5] ، وأيضًا فيه إشارة إلى مَعْنى القَصْد في الذَّنْب وجزائه؛ أي كما أنَّه قَصَدَ في الكذب التَّعمُّد، فليقصد في جُرْأته التَّبؤ، وأقول ويُحتمَل أن يكون الأمر على حقيقته، بأن يكون مَعْناه من كَذَبَ، فيأمر نفسه بالتَّبُؤ، ويلزم عليه.
إن قلتَ مَنْ قَصَدَ الكذب على الشَّارع ولم يكن في الواقع كذبًا، هل يأثم؟
قلتُ يأثم، لكن لا بسبب الكذب، بَلْ بسبب قَصْد الكذب؛ لأنَّ قَصْد المَعْصية مَعْصية، إذا تجاوز عن درجة الوسوسة، فلا يدخل في الحديث.
[1] في الأصل (لكنني) .
[2] وكذا في «اليونينيَّة» .
[3] «سنن النسائي الكبرى» (5912) (3/ 457) .
[4] كذا في الأصل، وهي رواية الأصِيليِّ، وأبي ذرٍّ الهروي عن الحَمُّوي، وابن عسَاكر، ورواية «اليونينيَّة» (وَلَكِنْ) .
[5] «الكاشف» (2/ 659) .