105 -قوله (كَانَ ذَلِكَ) إن قلتَ ذلك إشارة إلى ماذا، إذ لا يحتمل أن يُشار به ليبلِّغ الشَّاهد، وهو أمرٌ؛ لأنَّ التَّصديق والتَّكذيب من لوازم الخبر؛ قلتُ إمَّا أن تكون الرِّواية عند ابن سيرين (ليبلَّغ) بفتح اللَّام؛ فيكون خبرًا، وإمَّا أن يكون الأمر في معنى الخبر، ومعناه إخبار الشَّارع أنَّه سيقع التَّبليغ فيما بعد، وإمَّا أن يكون إشارة إلى تتمَّة الحديث، وهو أنَّ الشَّاهد عسى أن يبلِّغ من هو أوعى منه؛ يعني وقع تبليغ الشَّاهد إلى مَن بعده، وهو التَّبْليغ الَّذي في ضمن ألا هل بلَّغتُ، يَعْني وقع تَبْليغ الشَّارع إلى الأمَّة، وذلك نحو قوله تعالى {هَذَا فِرَاقُ بَيْنِيْ وَبَيْنِكَ} [الكهف78] .
قوله (أَلَا هَلْ بَلَّغْتُ مَرَّتَيْنِ) (ألا) بتخفيف اللَّام، كأنَّه قال ألا يا قوم! هل بلَّغتُ؟ يعني هل عملتُ بمقتضى ما قال تعالى {بَلِّغْ} [المائدة67] ، و (مَرَّتَيْنِ) متعلِّقٌ بـ (قال) مقدَّرًا؛ أي قال رسول الله مرَّتين ألا هل بلَّغتُ؟
وإنَما قدَّرناه ومَا جعلناه من تتمَّة (قال) المذكور في اللَّفظ، ولم يجعل (وكان محمَّد ... ) إلى آخره جملةٌ معترضةٌ؛ لأنَّه حينئذٍ يلزم أن يكونَ مجموع هذا الكلام مقولًا مرَّتين، ولم يثبت ذلك، [1] والله أعلم.
فائدة في بعض طرقه (ومن قتل له قَتِيلٌ) المراد القتيل بهذا القتل لا بقتلٍ سابقٍ، إذ القتيل لا يقتل، بل يقتل الحيُّ، ومثله في علم الكلام على سبيل المَغْلُطَةِ، قالوا لا يمكن إيجاد موجود؛ لأنَّ الموجد إمَّا أن يوجده في حال وجوده وهو تحصيل الحاصل، وإمَّا حال العدم وهو جمعٌ بين النَّقيضين فيجاب باختيار الشِّقِّ الأوَّل، إذ ليس إيجادًا للموجود بوجود سابق ليكون تحصيلًا للحاصل، بل إيجادًا له بهذا الوجود [2] ، انتهى.
خاتمة
قوله (فَإِنَّ دِمَاءَكُمْ) هذا مجزومٌ، وهو بعض حديث تقدَّم.
قوله (وَأَعْرَاضَكُمْ) أي زاد في الرِّواية هذه اللَّفظة، وهو منصوبٌ عطفًا على (دماءكم) ، وهذه جملة مُعْترضةٌ بين اسم إنَّ وخبرها، وقد رُوِيَ هنا ظانًّا، وفيما تقدَّم جازمًا، إمَّا لأنَّه مجاز عند روايته لأيُّوب ظانًّا في تلك اللَّفظة وبعدها تذكر، فحصل له الجزم بها، فرواها لابن عون جازمًا، أو بالعكس لطروء تردَّد له، أو لغير ذلك.
إن قلتَ ما مَعْنى (عَلَيْكُمْ) إذ معلومٌ أنَّ (أموالَنا) ليست حرامًا علينا.
قلتُ العقل مبيِّنٌ للمَقْصود، وهو أنَّ أموال كلِّ واحد منكم حرامٌ على غيره، وذلك عند فقدان شيءٍ من أسباب الحلِّ، ويؤيِّده الرِّواية الأخرى، وهو بينكم بدل عليكم.
والعرض يقال للنَّفس والحسب، قال في «شرح السُّنَّة» لو كان المراد من الأعراض النُّفوس؛ لكان تكرارًا؛ لأنَّ ذكر الدِّماء كافٍ، إذ المراد بها النُّفوس، فتعيَّن الأحساب.
الطَّيبيُّ الظَّاهر أنَّ المراد بالأعراض الأخلاق النَّفسانيَّة.
[1] «الكواكب الدراري» (2/ 108) .
[2] راجع «الكواكب الدراري» (24/ 12) .