فهرس الكتاب

الصفحة 153 من 6723

86 -قوله (سُبْحَانَ اللهِ) علمٌ للتّسبيح؛ أي التَّنزيه.

إن قلتَ كيف أضاف؟

قلتُ نكَّر، فأُضيفَ، قال ابن الحاجب كونه علمًا إنَّما هو في غير حالة الإضافة، وهو مفعولٌ مطلقٌ التزم إضمار فعله.

قوله (آَيَةٌ؟) بهمزة الاستفهام، وحذفها خَبَر مبتدأ مَحْذوفٍ؛ أي أهي آية؛ أي علامةً لعذاب النَّاس كأنَّها مقدِّمة له قال تعالى {وَمَا نُرْسِلُ بِالْآيَاتِ إِلَّا تَخْوِيفًا} [الإسراء59] ، أو علامةً لقرب زمان القيامة وأمارة من أماراتها، أو علامةً لكون الشَّمس مخلوقةٌ داخلةٌ تحت النَّقص مسخرةً لقدرة الله تعالى ليس لها سلطةً على غيرها بل لا قدرة لها على الدَّفع عن نفسها، وأمَّا ما يقول أهل الهيئة (إنَّ الكسوف سببه حيلولة القمر بينها وبين الأرض؛ فلا ترى حينئذٍ إلَّا نور القمر، وهو كمْدٌ لا نور له، وذلك لا يكون إلَّا في آخر الشَّهر عند كون النَّيِّرين في إحدى عقدتي الرَّأس والذَّنب) .

إن كان غرضهم أنَّه واجبٌ عقلًا، وله تأثيرٌ، فهو باطلٌ، وإن كان مقصودهم أنَّ الله تعالى أجرى العادة بذلك كما أجرى باحتراق الحطب اليابس عند مسِّ النَّار؛ فلا بأس به، انتهى كلام الكرمانيِّ، وقد وقع الكسوف يوم مات إبراهيم ابنه صلَّى الله عليه وسلَّم، وكان يوم الثُّلاثاء عاشر ربيعٍ الأوَّل؛ رواه الزُّبير ابن بكَّار، ويوم قُتِل الحسين رضي الله تعالى عنه، وكان يوم عاشوراء سنة إحدى وستِّين.

قوله (فَقُمْتُ) أي للصَّلاة.

فائدة (الغَشْيُّ) قال عيَّاض (رويناه في «مسلم» وغيره بكسر الشِّين مع تشديد الياء وإسكان الشِّين والياء، وهما بمعنى الغشاوة، ورواه بعضهم بالعين المهملة، وليس بشيءٍ) [1] .

و (تَجَلَّانِي) علاني [2] ، الكرمانيُّ علاني، وفي بَعْضها (تجلَّاني الغشيُّ) وهو بفتح الغين وإسكان الشِّين، ورُوِيَ أيضًا بكسر الشِّين وتشديد الياء، وهو مرض معروفٌ يحصل بطول القيام في الحرِّ وغير ذلك، وعرَّفه أهل الطِّبِّ بأنَّه تعطُّل القوى المحرِّكة والحسَّاسة لضعف القلب واجتماع الرُّوح كلِّه إليه.

إن قلتَ فإذا تعطَّلت القوى؛ فكيف صبَّت الماء؟

قلتُ أرادت بالغشيِّ الحالة القريبة منه، فأطلقت الغشي عليه مجازًا [3] ، أو كان الصَّبُّ بعد الإفاقة منه.

قوله (أُرِيْتُهُ) بضمِّ الهمزة، قال العلماء يحتمل أنَّه رأى رؤية عينٍ، بأن كشف الله عن الجنَّة والنَّار وأزال الحجب بينه وبينهما، كما فرج له عن المسجد الأقصى حين وصفه بمكة النَّاس، وتقرَّر في علم الكلام أنَّ الرُّؤية أمرٌ يخلقه الله في النَّاس، وليست مشروطة بقابلةٍ ولا مواجهةٍ، ولا خروج شعاع وغيره، بل هذه شروطٌ عاديَّةٌ جاز الانفكاك عنها عقلًا، ويُحتمَل أن تكون رؤية علمٍ ووحي باطِّلاعه وتعريفه من أمورهما مفصِّلًا ما لم يعرفه قبل ذلك.

إن قلتَ أيُّ نوعٍ هذا من الاستثناء وكيف وقع الفعل مستثنىً؟

قلتُ (إِلَّا رَأَيْتُهُ فِي مَقَامِي) ما من شيءٍ لم أكن أريته هذا استثناءٌ مفرغٌ، وكلُّ مفرغ متَّصل، ومعناه كلُّ شيء لم أكن رأيته من قبل مقامي ههنا رأيته في مقامي هذا، ورأيته في موضع الحال، وتقديره ما من شيءٍ لم أكن رأيته كائنًا في حالٍ من الأحوال إلَّا في حالة رؤيتي إيَّاه، وجاز وقوع الفعل مستثنًى بمثل هذا التَّأويل.

إن قلتَ لفظ الشَّيء أعمُّ العامِّ، وَوَقع نكرة هنا في سياق النَّفي، ولكنَّ بعض الأشياء ممَّا لا يصحُّ رؤيته.

قلتُ قال الأصوليُّون ما من عامٍّ إلَّا وقد خصَّ؛ إلَّا {وَاللهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيْمٌ} [البقرة282] والمخصِّص قد يكون عقليًّا وعرفيًّا، فخصَّصه العَقْل بما تصحُّ رؤيته، والعرف بما يليق إبصارها به بما يتعلَّق بأمر الدِّين والجزاء ونحوهما، وفي هذا الحديث دلالة على أنَّه رأى ذات الله سبحانه؛ إذ الشَّيء يتناوله والعقل لا يمنعه، والعرف لا يقتضي إخراجه، ولفظ (المقام)

ج 1 ص 104

يحتمل المصدر والزَّمان والمكان [4] ، وقال بَعْضهم يحتمل أنَّ الرؤية رؤية عين، ويحتمل أن يكون رؤية علمٍ، ويدلُّ له رواية أنس في «البخاريِّ» والأوَّل أشبه؛ لقوله «فتناولت منها عنقودًا» [خ¦748] وتأخُّره مخافة أن تصيبه النَّار) [5]

قوله (حَتَّى الجَنَّةَ) بالنَّصب، فـ (حتَّى) عاطفة عطفت الجنَّة على الضَّمير المنصوب في (رأيته) ، وفي بَعْضها بالجرِّ، فهي جارَّة.

إن قلتَ فعلى هذا التَّقدير هل تكون الجنَّة مُبْصَرة؟

قلتُ العامَّة في (حتَّى) لا يجب أن تكون حكم ما بعدها خلاف ما قبلها، بل يجب أن لا يكون اسمًا، إذا كانت بمعنى مع، ويحتمل الرَّفع بأن تكون حتَّى ابتدائيَّة؛ أي حتَّى الجنَّة مرئيَّة، فهو نحو أكلتُ السَّمكة حتَّى رأسها، في جواز الوجوه الثَّلاثة.

قوله (مِثْلَ أَوْ قَرِيْبًا) هما بغير التَّنوين مضافان إلى (فتنة المسيح) .

إن قلتَ كيف جاز الفصل بينهما وبينَ مَا أُضيفا إليه بأجنبيٍّ؛ وهو قوله (لَا أَدْرِيْ أيَّ ذَلِكَ قَالَتْ أَسْمَاء) ؟

قلتُ هي جملةٌ مُعْترضةٌ مؤكِّدةٌ لمعنى الشَّكِّ المُسْتفاد من كلمة (أو) والمؤكِّدة للشَّيء لا تكون أجنبيَّة منه، فلذلك جاز الفَصْل بهَا بينَ مَا أضيفا إليه.

إن قلتَ هل يصحُّ أن يكونَ لشيءٍ واحدٍ مُضَافان؟

قلتُ ليس ههنا مضافان، بل مضافٌ واحدٌ، وهو أحدهما لا على التَّعيين، ولئن سلَّمنا؛ فتقديره مثل فتنة المسيح، أو قريب فتنة المسيح، فحذف أحد اللَّفظين منهما؛ لدلالة الآخر عليه.

إن قلتَ ما توجيهه على ما في بعض النُّسخ من وجود لفظ من قبل فتنة، و (من) لا تتوسَّط بين المضاف والمضاف إليه في اللَّفظ.

قلتُ لا نسلِّم امتناع إظهار حرف الجرِّ بين المضاف والمضاف إليه، إذ بعضهم جوَّز التَّصريح بما هُوَ مقدَّرٌ من اللَّام ومن غيرها في الإضافات، وهو مثلُ قولهم لا أبالك.

وإن سلَّمنا؛ فهما ليسا بمضافين إلى الفتنة المذكورة على هذا التَّقدير، بل مضافان إلى الفتنة المقدَّرة، والمذكور وهو (من فتنة) هو بيانٌ لذلك المقدَّر، وفي بعض النُّسخ قريبًا، فيكون توجُّهه حينئذٍ من صلة له، ونقدِّر لفظ فتنة قبل لفظ قريبًا؛ ليكون المثل مضافًا إليه، انتهى كلام الكرمانيِّ، وقال أبو البقاء (قريبًا) منصوبٌ نعتًا لمصدرٍ محذوفٍ؛ أي افتتانًا قريبًا من فتنة الدَّجَّال.

قوله (أَيَّ) الرِّواية المشهورة فيه الرَّفع، وهو مبتدأٌ، وخبره (قالت أسماء) وضمير المفعول محذوفٌ، وفعل الدِّراية معلَّقٌ بالاستفهام؛ لأنَّه من أفعال القلوب، إن كانت (أيَّ) استفهاميَّة، ويجوز أن يكونَ أيضًا مبتدأ مَبْنيًّا على الضَّمِّ على تقدير حذف صَدْر صلته، والتَّقدير لا أدري أيَّ ذلك هو قالته أسماء، وأمَّا توجيه النَّصب؛ فبأن يكون مفعول (لا أدري) إن كانت موصولة، أو مفعول (قالت) إن كانت استفهاميَّة أو موصولة، أو يقال إنَّه من شريطة التَّفسير بأن تشتغل (قالت) بضميره المحذوف، ويُحتمَل أن تكون الدِّراية بمعنى المعرفة.

فائدة وجه الشَّبَه بين الفتنتين الشِّدَّة والهول والعموم، ولكن {يُثَبِّتُ اللهُ الَّذِيْنَ آمَنُوا بِالقَوْلِ الثَّابِتِ فِي الحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الآخِرَةِ} [إبراهيم27] [6] .

قوله (يُقَالُ) هو بيانٌ لقوله (تُفْتَنُونَ) أي تُمْتحنون، ولهذا لم تدخل الواو عليه، و (مَا عِلْمُكَ) الخطاب فيه للمفتون.

إن قلتَ لمَ جمع أوَّلًا حيث قال (فِي قُبُوْرِكُمْ) وأفرد ثانيًا حيث قال (وَمَا [7] عِلْمُكَ) ؟

قلتُ هو من مقابلة الجمع بالجمع، فيفيد التَّوزيع، فكأنَّه قال لكلِّ أحدِ إنَّك تُفتَن في قبرك،

ج 1 ص 105

أو لأنَّ السُّؤال عن العلم يكون [8] لكلِّ واحدٍ بانفراده واستقلاله، وكذا لكلِّ أحد جوابٌ خاصٌّ بخلاف الفتنة.

إن قلتَ هل يقال للانتقال من جمع الخطاب إلى مفرد الخطاب _كما نحن فيه_ التفاتٌ؟

قلتُ عرَّف بعض علماء المعاني الالتفاتَ بحيث يتناول الانتقال من صنف من نوع الضَّمير إلى صنف آخر من ذلك النَّوع كما قال المرزوقيُّ في «شرح الحماسة» [من البسيط]

~أحيًّا كنَّ يا ليلى الأماديح أباله [9] [10]

إنَّه التفاتٌ [11] ، وكما في قوله تعالى {يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ النِّسَاءَ} [الطَّلاق1] ، ونحوه، لكنَّ الجمهور على خلافه.

قوله (بِهَذَا الرَّجُلِ) لم يقل (بي) لأنَّه حكايةٌ عن قول الملائكة للمفتُون، ولم يقل [12] رسول الله؛ لئلَّا يتلقَّن منهما إكرام الرَّسول، فيعظِّمه تقليدًا لهما لا اعتقادًا، والشَّكُّ في (المُؤمنِ) من فاطمة.

قوله (ثَلَاثًا) أي يقول هو محمَّدٌ ثلاثًا مرتين بلفظ محمَّد ومرةً بصفته، وهو رسول الله. إن قلت هذا المذكور؛ أي مجموعه ثلاثًا يلزم أن يكون هو محمَّدٌ مقولًا تسع مراتٍ؛ لكنَّه ليس كذلك.

قلت لفظ ثلاثًا ذكره لتوكيد المذكور، فلا يكون المقولٌ إلَّا ثلاث مرَّات.

إشارة (فَأَجَبْنَا) أي قبلنا نبوَّته معتقدًا حقيقتها معترفًا بها، واتَّبعناه فيما جاء به إلينا، أو يقول الإجابة تتعلَّق بالعلم والاتِّباع بالعمل.

قوله (إِنْ كُنْتَ لمُوْقِنًا) قال الكرمانيُّ (إن) هي المخفَّفة من الثَّقيلة؛ أي إنَّ الشَّأن، انتهى كلام الكرمانيِّ، وقد جرى الخلاف في هذه المسألة بين ابن أبي العافية وابن الأخضر، فمَن جعلها لام الابتداء وجب كسر إنَّ، ومن جعلها أخرى اختلف الفرق فتح أنَّ وجرى الخلاف في هذه المسألة قبلهما بين أبي الحسن الأخفش الصَّغير وبين أبي عليٍّ الفارسيِّ، فقال الفارسيُّ هي لامٌ عند لام الابتداء، اختلف للفرق، وبه قال ابن أبي العافية، وقال الاخفش الصَّغير أنَّها لام الابتداء، دخلت للفرق، وبه قال ابن الأخضر؛ قاله الشَّيخ بهاء الدِّين ابن عقيل، وقال السَّفاقسيُّ إنَّه بفتح الهمزة على جعلها مصدريَّة؛ أي علمنا لو، قيل موقنًا، ورُدَّ بدخول اللَّام، وقيل المعنى إنَّك موقنٌ، كما قال تعالى {كُنْتُمْ خَيْرَ أَمَّةٍ} [آل عمران110] .

قال القاضي عيَّاض والأظهر أنَّها على بابها، والمعنى كونك موقنًا، وقد يكون المعنى لموقنًا؛ أي في علم الله كما قيل في قوله تعالى {وَمَا كَانُوا مُهْتَدِيْنَ} [البقرة16] ، وكما قيل في قوله تعالى {كُنْتٌمْ خَيْرَ أُمَّةٍ} [آل عمران110]

فائدة في هذا الحديث فوائد، منهَا جواز التَّسبيح للنِّساء في الصَّلاة.

فإن قلتَ التَّصفيح لهنَّ لا التَّسبيح إذا نابهنَّ شيء؛ قلتُ المقصود من تخصيص التَّصفيح بهنَّ أن لا يسمع الرِّجال صوتهنَّ، وفيما نحن فيه القصَّة جرت بين الأختين، أو التَّصفيح هو الأولى لا الواجب [13] .

خاتمة

إن قلتَ هذا الحديث لا يدلُّ إلَّا على بَعْض التَّرجمة، وهو الإشارة بالرأس كما أنَّ الأوَّلين لا يدلَّان إلَّا على البعض الآخر، وهو الإشارة باليد.

قلتُ لا يلزم أن يدلَّ كلُّ حديث في الباب على تامِّ التَّرجمة، بل إذا دلَّ البعض على البعض بحيث دلَّ المجموع على المجموع؛ صحَّت التَّرجمة.

[1] «إِكمَالُ المُعْلِمِ» (3/ 345) .

[2] وهي رواية الأربعة ابن عساكر والأصِيليِّ وأبي ذرٍّ الهَرَويِّ وأبي الوقت.

[3] راجع «الكواكب الدراري» (2/ 67) .

[4] انظر «الكواكب الدراري» (2/ 68) .

[5] «التوضيح» (3/ 432) .

[6] راجع لما سبق «الكواكب الدراري» (2/ 68 - 69) .

[7] كذا في الأصل بزيادة واو تبعًا لمصدره، وكذا في الموضع السابق، وليست في رواية الحديث.

[8] في (خ 1) (يكون) .

[9] انظر وصدره (لَوْ كَانَ مِدْحَةُ حَيٍّ مُنْشِرًا أَحَدًا) وهو لأبي ذؤيب الهذلي (ت 27 هـ) ، كما في «شرح أشعار الهذلييِّن» (1/ 127) .

[10] انظر «الكواكب الدراري» (2/ 69) .

[11] «شرح ديوان الحماسة» (1/ 450) .

[12] في «الكواكب الدراري» (2/ 69) (يقولا) .

[13] راجع لما سبق «الكواكب الدراري» (2/ 68) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت