كقولنا الواحد أقل من الإثنين وشخص واحد لا يكون في مكانين ولا يتصور إجتماع ضدين ولنا حالة ثانية وهي أن تصدق بالشىء تصديقا جزميا لا تتمارى فيه ولا تشعر بنقيضه البتة ولو أشعرت بنقيضه عسر إذعانها للإصغاء لكن لو ثبت وأصغت وحكي لها نقيضة عن صادق أورث ذلك توقفا عندها وهذا إعتقاد أكثر الخلق وكافة الخلق يسمون هذا يقينا إلا آحادا من الناس فأما ما للنفس سكون إليه وتصديق به وهي تشعر بنقيضه أو لا تشعر لكن إن شعرت به لم ينفر طبعها عن قبوله فهو يسمى ظنا وله درجات في الميل إلى النقصان والزيادة لا تحصى فمن سمع من عدل شيئا سكنت نفسه إليه فإن إنضاف إليه ثان زاد السكون حتى يصير يقينا وبعض الناس يسمى هذا الظن يقينا أيضا
ومدارك النفس خمسة
الأول الأوليات وهي العقليات المحضة التي قضى العقل بمجرده بها من غير إستعانة بحس وتخيل كعلم الإنسان بوجود نفسه وأن القديم ليس بحادث وإستحالة إجتماع الضدين فهذه القضايا تصادف مرتسمة في النفس حتى يظن انه لم يزل عالما بها ولا يدري متى تجدد ولا يقف حصولها على أمر سوى مجرد العقل
الثاني المشاهدات الباطنة كعلم الإنسان بجوع نفسه وعطشه وسائر أحواله الباطنة التي يدركها من ليس له الحواس الخمس فليست حسية ولا هي عقلية إذ تدركها البهيمة والصبي والأوليات لا تكون للبهائم
الثالث المحسوسات الظاهرة وهي المدركة بالحواس الخمس وهي البصر والسمع والذوق والشم واللمس فالمدرك بواحد منها يقيني كقولنا الثلج ابيض والقمر مستدير وهذا واضح لكن يتطرق الغلط إليها بعوارض كتطرق الغلط إلى الآبصار لبعد أو قرب مفرط أو ضعف في العين وخفاء في المرئي وكذلك ترى الظل ساكنا وهو متحرك وكذلك الشمس والقمر