وفيه أن هذا الحديث إنما يدل على أنه صلى الله عليه وسلم قام بصلاة الفجر في مزدلفة خلاف عادته أول ما بزغ الفجر، بحيث يقول قائل: طلع الفجر وقال قائل: لم يطلع، وهذا لا يثبت منه البتة أن القيام لصلاة الفجر بعد الغلس في الإسفار كان معتادا للنبي صلى الله عليه وسلم فالاستدلال بحديث عبد الله بن مسعود هذا على استحباب الإسفار بصلاة الفجر ليس بشيء.
ومن أدلتهم: ما رواه الطحاوي عن إبراهيم النخعي قال: ما اجتمع أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم على شيء ما اجتمعوا على التنوير. [1] فلو كان التغليس مستحبا لما اجتمع الصحابة رضي الله عنهم على الإسفار.
ومن أدلتهم: حديث رافع بن خديج قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (أسفروا بالفجر، فإنه أعظم للأجر) [2] .
القول الثالث: الأفضل هو الابتداء بصلاة الصبح وقت التغليس والانتهاء منها عند الإسفار، وقال ابن رجب في الفتح [3] : وقد روي هذا المعنى عن عطاء، وقاله - أيضا - من أصحابنا: أبو حفص البرمكي والقاضي أبو يعلي في خلافه الكبير. وهو الذي اختاره الطحاوي في شرح الآثار [4] ، وبسط الكلام فيه، وقال في آخره:
(1) أخرجه أبو يوسف في الآثار (ص: 56) والطحاوي في شرح معاني الآثار (1/ 184) من غير وجه عنه. ... وقد صحح إسناد الطحاوي الزيلعي في نصب الراية (1/ 239) .
(2) أخرجه أبو داود في سننه في كتاب الصلاة، باب في وقت الصبح (1/ 169) رقم: (424) . والترمذي في سننه كتاب الصلاة في باب ما جاء في الإسفار بالفجر (1/ 290) (154) والنسائي في سننه كتاب المواقيت، الأسفار (1/ 272) . وابن ماجه: كتاب الصلاة، باب وقت صلاة الفجر (1/ 221) رقم: (672) . وأخرجه الطبراني (4285) و (4289) و (4291) وغيرهم من طرق عن عاصم بن عمر بن قتادة، عن محمود عن رافع بن خديج به.
قال الترمذي: حديث حسن صحيح. وهو كما قال؛ فإن عاصم بن عمر ثقة كما في التقريب، ومحمود ورافع صحابيان.
(3) ينظر: فتح الباري (4/ 442) لابن رجب.
(4) ينظر: شرح معاني الآثار (1/ 184) .