فهرس الكتاب

الصفحة 43 من 488

الأموال، فلم يكن منه أن يميل إلى شيء منها، وخالها أغلالا في عنقه وسدا منيعا دون مآربه ومهواه، فأصر على عزمه وهجرته، فأخذ عصا التسيار وغادر أسرته ومنشأة ومنماه متوجها إلى الجوار النبوي على صاحبه الصلوات الطيبة والتحيات المباركة، حتى بلغ (ديوبند) يريد زيارة شيخه الشيخ العالم محمود الحسن ووداعه، وأنبأه بأنه عزم الهجرة إلى الحرمين الشريفين، فأمره الشيخ رحمه الله بفسخ العزم، وأقام في (ديوبند) ، وكان شيخه رحمه الله تعالى تفرس فيه آثر النجابة الباهرة من قبل، وسبر علمه وفضله وتقواه وورعه، وشاهد ما فطر عليه من الأخلاق الفاضلة والمناقب العالية، وأحس الشيخ أيضا أن البلاد الهندية بحاجة إليه، ففسخ العزم، وأقام في"ديوبند"وكان ذلك في حدود سنة 1325 هـ، وأمره الشيخ بتدريس"صحيح مسلم"و سنن النسائي"و"سنن ابن ماجه"فنهض بها على خير وجه، وكانت فاتحة تدريسه في"دار العلوم ديوبند"واستمر على ذلك إلى سنة 1332 هـ."

ثم أراد شيخه - رحمه الله تعالى- سفر الحج والزيارة في سنة 1333 هـ فاستخلفه نائبا عنه في التدريس في"ديوبند"، فأخذ يدرس"الصحاح الستة"وأمهات كتب الحديث، وكان من أمر الشيخ محمود الحسن أن أسرته الحكومة البريطانية الغاشمة في جزيرة مالطة فبقي الشيخ الكشميري قائما مقامه عشرين سنة في تدريس " صحيح البخاري"و"جامع الترمذي " وغيرهما. وقضى في ديوبند ثلث عمره، وجرت من قلبه وفمه ينابيع الحكمة ومناهل العلم، حتى استفاد منها رجال من الأفاضل وأماثل العصر، وتضلع من لا يحصى عددا من الأصاغر والأكابر، وتخرج عليه في تلك البرهة أكثر من ألفي خريج ممن قرأ عليه أمهات كتب الحديث. وأصبح بابه محطا للرحال وملجأ للرجال، مناهج التحقيق وطرق التقصي من معضلات المسائل وغوامضها، وكان درسه جامعا للبدائع تنحل به، مشكلات سائر العلوم، واقتفى العلماء المدرسون أثره.

خدمته في دابيل وآخر محطته العلمية:

ثم لما استقال من منصب درسه في ديوبند سنة 1346 هـ اكتنفته الدعوات

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت