فوفقه الله إلى زيارتهما سنة 1323 هـ، ومكث في مكة - زادها الله مجدا وكرامة - عدة شهور يطفئ ضرامه بالطواف والها باكيا، ويلتجئ متشبثا بأستار الكعبة الطاهرة في دلج الليل داعيا ومناديا. ثم حثه حادي الشوق إلى المدينة الطيبة - زادها الله شرفا وحرمة - فاستحث العزيمة وشد الرحال إلى روضة النبي صلى الله عليه وسلم، فلبث في المدينة المنورة برهة من الدهر يروى غليله، ولقي فيها الشيخ الفاضل الشيخ حسين الجسر الطرابلسي [1] أحد العلماء المشهورين آنذاك, عالم الخلافة العثمانية , ولازمه مدة وأجازه الشيخ الجسر بأسانيده في الحديث. كما لقي رجالا من أكابر علماء البلاد الإسلامية، وذاكرهم في مهمات المسائل. واغتنم فرصة قربه من مكتبات المدينة المنورة الخطية وخاصة"مكتبة شيخ الإسلام عارف حكمت الحسيني [2] "و"المكتبة المحمودية [3] "، وكان فيهما ذخائر نادرة فانكبّ على مطالعة نفائسهما من التفسير والحديث وغيرهما، حتى امتلأ صدره بعلوم تلك الأسفار الزاخرة.
عودته إلى موطنه وخدمته في ديوبند.
عاد الشيخ إلى وطنه يطوي في ضميره الرجوع إلى الحرمين والمجاورة في جوار رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى لقاء الله. ولم يمكث غير بعيد حتى شغف فؤاده بما كان نواه من العودة على المدينة الطيبة، فاجتمع إليه أعيان القوم، واكتنفه شرفاء الناس، وتشاوروه من كل جهة، وألحوا عليه بالزواج، وعرضوا عليه بناتهم وتنافسوا في إيثاره وتكريمه، واستأثروا بعرض المزارع والحدائق ونقود
(1) حسين بن محمد بن مصطفى الجسر، الطرابلسي، الحنفي. عالم، أديب، صحافي. ولد بطرابلس الشام، وأنشأ جريدة طرابلس، وتوفي بها في رجب 1327 هـ. من كتبه (الرسالة الحميدية) و (الحصون الحميدية - ط) كتابان في العقائد الاسلامية، (الأعلام للزركلي (2/ 258 (.
(2) أنشأها في المدينة المنورة سنة 1270 هـ- الشيخ / أحمد عارف حكمت بن إبراهيم بن عصمت الحسيني، المولود سنة 1200 هـ.
(المكتبات العامة بالمدينة المنورة ماضيها وحاضرها - رسالة ماجستير -جامعة أم القرى 1401 هـ. للباحث حمادى علي محمد التونسي ص(8) .
(3) تعد هذه المكتبة ثاني مكتبة بالمدينة المنورة بعد مكتبة عارف حكمت من حيث المحتويات والتنظيم والشهرة، جددها السلطان محمود الثاني سنة 1237 هـ وألحقها بالمدرسة التي بنيت في عهد قايتباي، عقب حريق المسجد النبوي سنة 886 هـ - 1481 م. (ص 22) المصدر السابق.