فِعلٌ لا قُرْبَةَ فيهِ، بلْ فَعَلَهُ بطريقِ العادةِ؛ كالأكلِ والشربِ، والنوم والقيامِ، والقعودِ والركوب، فهذا يدلُّ على إباحَتِهِ، وينتفي عنهُ التحريمُ؛ لِعِصْمَتِهِ - صَلَّى الله عليه وسلم - ، ولكونه لا يُقَرُّ على الخَطَأ، وينتفي عنه الكراهَةُ؛ لندورِ فِعْلِ المَكروهِ منهُ، وإنْ كانَ قدْ يفعلُهُ لتبيينِ الجَوازِ، أو لغيرِ ذلكَ منَ الوجوهِ.
فهذا عندي، وإنْ كانَ مُباحاً، فَيُستحبُّ لأمَّتهِ متابعَتُه - صَلَّى الله عليه وسلم - فيه؛ لكون عادتِه أَحْسَنَ العاداتِ، ومقرونةً بأَزْكى البركاتِ.
وقد تابعَهُ في ذلكَ كثيرُ من الصَّحابة - رضيَ اللهُ عنهم - وقل مَنْ رأيتُه من المُصنِّفينَ ذَكَرَ اسْتِحْبابَ ذلكَ، ولكنَّ نَظَرَهُمْ في ذاتِ الفِعْلِ، لا في نفسِ المُتَابَعَةِ.
والضربُ الثَّاني: فعلٌ يظهر فيه قَصْدُ القُرْبَة.
وقَدْ قَدَّمنا أَنَّ مأخَذَ السُّنَّةِ من ثلاثةِ أوجهٍ:
وجهانِ مُتَّفَقٌ عليهِما عندَ أهلِ العلمِ، فيعرف وجوبُ فعله وندبُه من
الوجْهَين، إن كانَ بياناً لنصٍّ في واجبٍ، كان واجبًا، وإن كان بَياناً لنصٍّ في مُسْتَحَبٍّ، كانَ مُسْتَحباً، وإن كانَ بياناً لمُجْمَلٍ مأمورٍ بهِ حَتْماً، كان واجِباً، وإن كانَ المأمورُ بهِ نَدْباً، كانَ مُسْتَحباً.
وأمَّا الوجهُ الثالثُ الذي قالَ بهِ أكثرُ أهلِ العلمِ، وهوَ أن يَفْعَلَ الشيءَ ابتداءً من غيرِ سَبَبٍ، فاختَلفَ أهلُ العلمِ فيهِ أيضاً على أربعة مذاهبَ:
فمذهبُ مالِكٍ وأكثرِ أهلِ العراقِ وأبي سعيد الإصْطَخْريّ وأبي العباس ابن سُرَيْجٍ: أنَّه يُحْمَلُ على الوُجوب.
وقالَ قومٌ: يُحْمَلُ على النَّدْب، وهو قولُ الشَّافِعِيِّ.
وقال قومٌ: يُحْمَلُ على الإباحَةِ، ويُروى عن مالكٍ.
وقالَ قومٌ بالوقفِ، فلا يُحْمَلُ على الوجوبِ ولا على النَّدْبِ إلَّا بِدليلٍ، وهو قَوْلُ الصَّيْرَفيِّ، واختيارُ أبي إِسْحاقَ الشِّيرازِيِّ - رحمهُ اللهُ تعالى - .
وأمَّا إقراره - صلى الله عليه وسلم - فإنَّه على ضربين:
أحدُهما: أن يقولَ أحدٌ قولًا، أو يفعلَ فِعْلاً بِحَضْرَتِهِ، ولا يُنْكِرُهُ عليهِ، فهذا يَدُلُّ على جوازِ ذلكَ الشيءِ.