التَّوْبَة وإيثار مَا يحب الله على مَا يكره وَأَن تكون بِهِ انس مِنْك بخلقه وَلَا تفرح بِمَا زادك من الدُّنْيَا وَلَا تحزن على مَا نقصك مِنْهَا وَهِي دَرَجَة أهل الْوَرع والقنوع.
وَالَّذِي يقويك على ذَلِك التَّصْدِيق بوعد الله تَعَالَى والثقة بضمانه والترجي بِمَا يَكْفِيك مِنْهَا وَلُزُوم سرعَة الِانْتِقَال عَن الدُّنْيَا
وَأما إِيثَار مَا يحب الله على مَا يكره فسبحانه لَيْسَ أحد أَحَق وَلَا أولى بذلك مِنْهُ تبَارك اسْمه وَهُوَ إِيثَار محبته على هَوَاك وَهُوَ فرض على المدبرين عَنهُ والاباق أَن يرجِعوا إليه ويعاملوه وَكَيف لَا يؤثره من تعود الْقرب مِنْهُ والانقطاع إليه.
أما الأنس بِهِ فَهُوَ أَن تكون بِهِ أَشد انسا مِنْك بخلقه فَمن عرفه وَعرف لطفه وَكَثْرَة اياديه وَحكمه وبره وَعطفه وتفضله أنس بِهِ
وَكَيف يراقب العَبْد من لَا يعرفهُ وَكَيف يَنْقَطِع إلى من لَا يَثِق بِهِ وَلَا يأنس بِهِ.
وَأما الَّذِي يحسن الشَّيْء بعده فالشكر وَأشْهد أنك لَو عقلت مَا تقْرَأ وَكنت مرِيدا لهَذِهِ الْمنزلَة لنظرت إليه بِعَين المحزونين الْخَائِفِينَ أَلا يقبلك وَأَن يستقذر إرادتك وسيرتك وَأَن يردك عَن بَابه وَأَن تقدم عَلَيْهِ وأنت كَذَلِك. انتهى انتهى {آداب النفوس، للحارث المحاسبي} ...